حوار مع الأستاذ الشيخ محمد علي يونس صاحب كتاب التفسير الواضح للقرآن الكريم

يعدّ الشيخ الأستاذ محمد علي يونس، عضو المجلس الفقهي العلمي في سورية، من أبرز لغويي ومثقفي محافظة طرطوس، إن لم يكن أكثرهم شهرة وحضوراً.. خرّج أجيالاً من الطلّاب السوريين، من تلامذته الذين حازوا شهرة واسعة، مثالاً لا حصراً: المسرحي الكبير الراحل سعد الله ونوس والوزير الأسبق الدكتور محمود السيد والوزير الأسبق المهندس غسّان طيارة والشهيد مصطفى خلوف وطبيب الجلدية المعروف الأستاذ الدكتور صالح داود وغيرهم.

سافر إلى الجزائر في ستينات القرن الماضي، وهناك تم اختياره من ضمن خمسة آلاف مدرّس سوري مُعار في الجزائر، للمشاركة في حملة تعريب منهاج تلك البلاد..

التقته "فينكس" في منزله الكائن في مدينة طرطوس، وكان محور الحديث كتابه الجديد "التفسير الواضح للقرآن الكريم".

حاوره: أُبي حسن- فينكس:أ كتاب التفسير الواضح للقرآن

س1- ما الذي دفعكم إلى القيام بهذا التفسير، على الرغم من وجود عشرات، إن لم نقل، مئات التفاسير عند الفرق الإسلامية جميعها؟ وما هي مآخذكم على (بعض) التفاسير الأخرى؟

ج1- جواباً على سؤالكم، أقول: سبق أن سألني أحد الإخوان عن الأسباب التي دفعتني إلى الإقدام على هذا التفسير، على الرغم من وجود مئات التفاسير بين مطوّل ومختصر؟ و جوابي: إنّ بين أيدي الناس المئات من هذه التفاسير، و لكنّها لا تلبي حاجة كلّ القرّاء، و لا تفيدهم أحياناً، بل بعضها يعمل على تعميق الخلافات المذهبية بين أبناء الدين الواحد، فبعض التفاسير لا تخلو من تطاول على الرموز المقدّسة لدى من يخالفهم في الرأي مثل "تفسير الصافي" و أمثاله، و بالمقابل نجد في تفاسير أخرى غضّاً من مكانة أهل البيت (ع) مثل تفسير الجلالين المعروف لدى الجميع.

ثمّ إنّ التفاسير المطولة حافلة بالروايات المتناقضة التي تمسّ عصمة النبي (ع) كما نجد في رواياتهم حول غزوة بدر، إذ زعم أصحاب هذه الروايات إن الرسول (ص) يقترح شيئاً وينفذه، ثم يأتي القرآن معاتباً على هذا الاقتراح. هذا هو شأن التفاسير المطولة.

أما التفاسير الحديثة كالتفسير "الوجيز" للدكتور وهبة الزحيلي، والتفسير "المبين" للشيخ محمد جواد مغنية فلا تخلو من بعض الأخطاء اللغوية التي يحسن لمفسّر القرآن أن يتجنبها، مثل كتابتهم: "يتوجّب" والصواب "يجب"، و "صدفة" والصواب "مصادفة"، و"يرضخ للعدو" والصواب "يخضع للعدو".. الخ.

وقد خلا "التفسير الواضح للقرآن الكريم"" وبحمد الله، من كل الهفوات التي ذكرتها، و من أمعن النظر فيها، وكان من أهل الاختصاص يدرك ذلك، و يدرك مزايا هذا التفسير كل من يوازن بينه و بين التفاسير المماثلة له في الحجم.

أمر آخر: ليس بمقدور جميع الراغبين من القرّاء اقتناء التفاسير المطولة نظراً لتكلفتها المادية، كما قد لا تلبي التفاسير المختصرة حاجة طالب المعرفة.

س2- طباعة كتاب مثل كتابكم، من حيث الضخامة والجهد المبذول والغلاء الفاحش في الطباعة، فضلاً عن عزوف الكثير من الناس عن القراءة.. الخ، هو مغامرة حقيقية.. ترى: ألم تنتابكم الخشية من خوضها في ظل جملة الظروف سابقة الذكر، وغيرها مما لم نذكره؟

ج2- لم أشعر بالخوف من الإقدام على هذا التفسير الذي يحتاج إلى لجنة من الاختصاصيين في اللغة والفقه والتاريخ و الثقافة العامة، لأنني كنتُ أخدم أجلّ كتاب و أقدس كتاب، وهو القرآن الكريم "الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، وكنتُ على بصيرة من كلّ العقبات والموانع الاقتصادية والطباعية التي تقف في وجه هذا المشروع الضخم، لكن ثقتي بالله تعالى وثقتي بالقرآن الكريم، وقناعتي التامة بالأسباب التي دعتني إلى هذا التفسير جعلتني أستسهل تلك العقبات و الموانع وأمضي في طريقي معتمداً على عون الله للقيام بهذه المهمة الجليلة التي ينوء بها العصبة أولو القوة. وقد ذلل لي العقبات المادية، أي نفقات الطباعة في هذه الظروف الاقتصادية الضاغطة جماعة من أهل الخير من أقاربي وأصدقائي الذين رفضوا أن تذكر أسماؤهم واكتفوا مني بالتلميح دون التصريح، جزاهم الله خيراً. وفي هذه المناسبة لا بدّ لي من ذكر الموقف المشرّف لوزير الأوقاف الدكتور الشيخ محمد عبد الستار السيد على دعمه المعنوي، وإجازته بطباعة التفسير.

س3- كم سنة استهلك من وقتكم وعمركم "التفسير الواضح للقرآن الكريم"؟ وهل تتكرّمون بوضع قرّاء "فينكس" بالخطة والنهج الذي اتبعتموه؟ وكم ساعة كنتم تعملون في اليوم؟

ج3- كنتُ أسير في عملي على خطة واضحة تتلخص في وضع ما لديّ من كتب التفسير وعددها ثلاثون تمثّل مختلف التيارات المذهبية والفقهية، وأنظر في معنى الآية، مفرداتها وأفكارها وأسباب نزولها، وإلى جانب كتب التفسير كنتُ أستعين بالكتب الخاصة بمفردات القرآن، و أسباب النزول و إعراب القرآن، إعراباً نحوياً و بلاغياً.. وبعد أن يتضح معنى الآية عندي كنتُ أصوغه بلغتي وأسلوبي.. كنتُ أقرأ ما أكتبه على ابنتي الجامعية "فتون"، فتقول لي أحياناً: "رفقاً بنا يا أبت، فأسلوبك يعلو على القارئ غير المختص"، وكنتُ أعمل باقتراحها إذا وجدته مناسباً؛ هذا ولم أعتمد كتب طائفة دون أخرى، بل اعتمدتُ على تفاسير جميع المسلمين، يعرف ذلك كل من لديه نسخة من هذا التفسير. وكنتُ قد أشرت في مقدمته إلى اعتمادي أربعة تفاسير هي: "مجمع البيان" للطبرسي، و"الكاشف" لمحمد جواد مغنية، و"المنتخب" للأزهر، و"التفسير الوجيز" لوهبة الزحيلي. وقد استغرق هذا العمل ثلاثين شهراً، إذ بدأت به في ربيع الأول لعام 1436 هجرية الموافق 1/1/2015، وانتهيتُ من عملي في 11 شوال عام 1438 هجرية الموافق 13 تموز 2017، و كنتُ أسجّل تاريخ إنجازي لكل جزء من أجزاء القرآن الثلاثينأ أبي حسن مع محمد علي يونس بالتقويمين الهجري و الميلادي.

والشيء بالشيء يُذكر، ففي مكتبتي الخاصة كتاب "قصة الحضارة" بأجزائه الثمانية و الأربعين لمؤلفه الأمريكي ويل ديورانت، الذي يذكر في الجزء الأوّل من مؤلفه من أنّه توقف عن الكتابة عند بلوغه السابعة و السبعين من العمر، واكتفى بعدها بالقراءة، وأنا بحمد الله، بدأت بكتابة هذا التفسير، و أنا في الرابعة والثمانين من عمري، و أنجزته و أنا في منتصف السابعة و الثمانين، و أنا في كامل نشاطي، و قدرتي على القراءة و الكتابة، و"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم".

س4- بعض المغرضين والملحدين ينالون من القرآن من خلال زعمهم أنّ فيه أخطاء لغوية ونحوية من قبيل ما جاء في سورة البقرة (2- 124): "لا ينال عهدي الظالمين"، فبزعمهم أنه ينبغي أن تكون "الظالمون" برأيكم لماذا أتت "الظالمين" وليس "الظالمون"؟

ج4- زعمهم بوجود لحن في اللغة والاعراب في قوله تعالى في الآية 124 من سورة البقرة، سببه الجهل بقواعد النحو وفقه اللغة العربية.. إن هؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر المتنبي:

وكم من عائب قولاً صحيحاً

وآفته من الفهم السقيم

فقد أورد كلّ من الطبري والطبرسي، أنّه يجوز في اللغة العربية أن يقال: لا ينال عهدي الظالمون، لأن ما نالك فقد نلته، أو كما يقال: نالني خير فلان ونلتُ خيره، فيوجّه الفعل مرّة إلى الخير ومرّة إلى نفسه، و هي قراءة عبد الله بن مسعود التي كان النبي (ص) يثني عليها، و هو في هذه القراءة يخالف الكثير من القرّاء، وبقراءة ابن مسعود يصحّ الوجهان أي: "الظالمين" و"الظالمون" لأن ابن مسعود حجة في العربية.

س5- تتمة لما سبق، تطرقتم إلى الإمام الرازي في ردّه على الملحدين، وبيّنتم لماذا هي "عشرة كاملة" من حيث المعنى الفقهي، لكن لم تبيّنوا لماذا قال عزّ و جلّ: "عشرة" وليس "عشر" (البقرة- الأية 196)، في حين أنّكم توسعتم في الجانب النحوي في الآية (162) من سورة النساء، حيث يقول تعالى: "لكن الراسخون في العلم منهم و المؤمنون بما أنزل إليك من قبلك و المقيمين الصلاة و المؤتون الزكاة و المؤمنون بالله و اليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً"، و كذلك فعلتم الأمر ذاته في سورة طه الآية 63: "قالوا إن هذان لساحران.."، على سبيل المثال لا الحصر.. هل تتكرمون بتوضيح ما سبق ذكره؟

ج5- لماذا جاءت "عشرة" مؤنثة بالتاء و لم تجئ بالتذكير "عشر"، في قوله تعالى: "تلك عشرة كاملة" السبب هو أنها جاءت تطبيقاً لقاعدة العدد التي تقول: الأعداد من (3- 10) على عكس المعدود، فإذا كان المعدود مذكراً جاء العدد مؤنثاً، نقول: "ثلاثة رجال"، و إذا كان المعدود مؤنثاً، جاء العدد مذكراً فنقول: "ثلاث نساء"، و هذه القاعدة وردت في سورة الحاقة، وصفاً لريح صرصر العاتية، قال تعالى: "سخّرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام" (الحاقة- الآية 7)، فالليالي جمع مفرده ليلة و هي مؤنث لذلك جاء العدد معها مذكراً "سبع"، و الأيام جمع يوم و هو مذكر و لذلك العدد معه مؤنثاً "ثمانية".

بالعودة إلى الآية 196 من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: "تلك عشرة كاملة" فالعشر جاءت مؤنثة لأنها تدل على الأيام، وهي مذكرة كما رأينا؛ وقد سبقها في الآية نفسها قوله تعالى: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم".

أما بخصوص الآية 162 من سورة النساء، والإشكال في مجيء "و المقيمين الصلاة" بنصب كلمة المقيمين، في حين أن ما قبلها و ما بعدها مرفوع، نجيب أن "الواو" التي سبقت "المقيمين" ليست واو العطف بل هي اعتراضية؛ و "المقيمين" مفعول به لفعل محذوف تقديره: أخصّ، و السبب في نصب "المقيمين" خلافاً لما قبلها و ما بعدها هو بيان أهمية الصلاة و فضلها، و من أراد التوسّع فليعد إلى مطولات كتب التفسير و النحو.

أما الآية 63 من سورة طه، وهي قوله تعالى: "قالوا: إنْ هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم"، وقد أعربتُ هذه الآية في التفسير على الشكل الآتي: إن هذان لساحران، إن المخففة من الثقيلة (أي من إنّ) وهي مهملة لا عمل لها، هذان اسم إشارة للمثنى في محل رفع مبتدأ، ساحران خبر المبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى، و اللام فارقة، و من أراد التوسّع فليعد إلى مطولات كتب التفسير كالطبري والطبرسي و الرازي و غيرهم. أما من قرأ الآية باعتبار "إنّ" بدلاً من إنْ المخففة، فحجتهم أن هناك من قبائل العرب من يعرب المثنى بالحركات المقدرة على الألف كالاسم المقصور، ولا يعربونه بالحروف كمعظم العربية، فيقولون: جاء الرجلان، رأيتُ الرجلان، سلمتُ على الرجلان؛ كما يقولون: جاء الفتى، رأيتُ الفتى، سلمتُ على الفتى، وهكذا قال شاعرهم من بني الحارث بن كعب:

واهاً لسلمى، ثم واهاً، واها

هي المنى، لو أننا نلناها

ياليت عيناها لنا وفاها

وم وضع الخلخال من رجلاها

إنّ أباها وأبا أباها

قد بلغا في المجد غايتاها.

أخيراً: نسمع بوجود مصاحف أخرى، كمصحف أُبي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود.. الخ.. هل ثمة فرق بينها وبين المصحف المعروف والمتفق عليه؟

ج6: الفرق الوحيد هو فقط في ترتيب السور، ومن أراد التوسّع في هذا الموضوع فليعد إلى كتاب "تاريخ القرآن" للعالم الإيراني أبي عبد الله الزنجاني، وقد كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق.

مواذ ذات صلة:

محمد علي يونس.. من المشاركة في تعريب الجزائر إلى شرح القرآن الكريم

https://feneks.net/index.php/society/portrait/40567-2020-11-14-18-04-49