معن حيدر: من أسرار المهنة... ضبط الصورة

 بعد أن يتفقد المخرج ديكور المشهد وينهي إعطاء تعليماته للمصورين ويتأكد من جاهزية الممثلين، ينسحب من الاستديو ليذهب إلى غرفة (الكونترول)  التي تضم تجهيزات الإخراج (مازج الصورة) والصوت والإضاءة مع شاشات كثيرة تملأ الجدار أمامه.. وبعد أن يتأكد من جاهزية الفنيين العاملين عليها يعطي الإيعاز للمخرج المنفذ، الذي يهتف بصوت عالٍ: سكووووت... تلاتة اتنين واحد... إبدا..
ويبدأ تصوير المشهد المطلوب، ويبدأ الفنيون متابعة مجريات المشهد كل حسب اختصاصه وحسب السيناريو المرسوم للمشهد، ويبدأ فني ضبط الصورة بمتابعة الشاشات وعليها صور الكاميرات ضمن الاستديو، فكل كاميرا تصور من زاوية معينة تختلف عن الأخرى، وبالتالي تختلف معها تفاصيل المشهد المصوَّر والإضاءة والديكور...
وتُعتبر مهنة (ضبط الصورة) من المهن الأساسية في إنجاز الأعمال التنلفزيونية بأنواعها كافة، وقبل أن أفصّل قليلاً في خفايا هذه المهنة، أود أن أشير إلى اختلاف عملية ضبط الصورة عن عملية التصوير، فعملية التصوير هي عملية فنية/جمالية بحتة تهتم بـ (تكوين اللقطة) وإظهار جمالية المشهد المصوّر، يقوم بها المصور وفق أسس وضوابط يتقنها ووفق حسه الفني...
أيضاً لابد من التعريج قليلاً للحديث عن عملية التلفزة التي تقوم على مبدأ وجود كاميرا في جهة الإرسال وشاشة في جهة الاستقبال، تقوم الكاميرا (وبالذات حساس التصوير ضمنها) بتحويل المشهد المرئي بالعين المجردة إلى تيار إلكتروني (سأطلق عليها اسم الصورة)، ومن ثم تقوم الشاشة (وهي جهاز الاستقبال التلفزيوني الذي كنا نطلق عليه اسم التلفزيون) بإعادة هذا التيار الإلكتروني إلى مشهد مرئي بالعين المجردة يماثل المشهد المصوَّر في جهة الإرسال...
وتتطلب عمليتا التحويل والاستعادة هاتان، إجراء ضبط ومعايرة هندسية لكل من الكاميرات، والشاشات (وهذا ما يسمى ضبط الصورة) حتى يتم التوافق بينهما وتتم عملية التلفزة بشكل أمين...
تماثل عملية التلفزة عمل العين تماماً: الكاميرا تقابل الشبكية وهي المسؤولة عن تحويل الصورة إلى سيّالة عصبية تُنقل إلى الدماغ ليفهمها، التيار الإلكتروني يقابل السيّالة العصبية، وكما تتعامل شبكية العين مع أي صورة على أساس أنها مركّبة من صورتين متماثلتين تماماً، إحداهما بالأبيض والأسود والأخرى ملونة، تتعامل الكاميرا مع المشهد المصوّر بنفس الطريقة...
في الكاميرات يتم التعامل مع ثلاثة ألوان رئيسية من ألوان الطيف المرئي للضوء (أي ثلاثة حساسات تصوير) هي: الأحمر/ الأخضر/ الأزرق Red/Green/Blue، وقد تم التوصل إلى ذلك من خلال معادلات رياضية ولوغارتيمة معقدة، ودارات إلكترونية أكثر تعقيداً، للحصول على صورة تماثل المشهد الأصلي...
عملية معقدة تتم ضمن دارات إلكترونية فائقة التعقيد، وبالتالي تحتاج هذه الدارات إلى ضبط ومعايرة مستمرة للحصول على أعلى جودة للصورة..
ويقوم بهذه المعايرة فني أو مهندس، من خلال لوحات تحكم وشاشات عالية الجودة مع جهازي راسم إشارة (مثل جهاز راسم إشارات القلب ذو الشاشة الخضراء المضيئة الذي نراه في الأفلام الطبية)، يحوّلا الصورة إلى مخططات بيانية لها محددات، هي: مستوى البياض ومستوى السواد وتدرّج الرماديات ومركّبات الألوان السبعة..
مستوى البياض: يحدد مستوى الإضاءة في الصورة، وقد افترض أنه أعلى مستوى للصورة، ويعادل 100%، أما مستوى السواد: فيحدد مستوى انعدام الضوء في الصورة، ويعادل الصفر بالمائة 0%، ويعتبر هو (المنصّة) التي تحمل الألوان التي تتدرج بين مستويي السواد والبياض ليس بشكل تناسب طردي وإنما بتناسب لوغارتمي يسمى تدرّج الرماديات ... مستوى البياض يجب أن لا يزيد عن الـ 100% وإلا يحدث ما يسمى (قص الصورة) فينقلب اللون الأبيض إلى لون أسود في بعض أجزاء الصورة، ويجب أن لا ينقص مستوى السواد عن الصفر لكي لا تظهر الصورة معتمة بشكل مشوه بسبب تداخل مستوى تدرج الرماديات.
يقوم فني ضبط الصورة بضبط مستويات الأبيض ثم الأسود ثم تدرّج الرماديات مسبقاً حيث يسلط الكاميرات على لوحة بيضاء مستوية موزع عليها الإضاءة بشكل منتظم ويجري عملية الضبط من خلال لوحة التحكم بالكاميرا .. ثم يقوم بتسليط الكاميرات على المشهد ذاته ويقوم بضبطها وتوليفها بحيث تعطي لونية واحدة للوجوه وللمشهد بشكل عام من خلال مفاتيح التحكم بالألوان الثلاثة الأحمر والأخضر والأزرق... وقد مارستُ هذه المهنة جزئياً في مرحلة من مراحل عملي المبكرة في التلفزيون، وبخاصة في الأعمال الدرامية التي كانت تسجل في استديو الدراما (استديو 2).
أعانكم الله وشكراً لكم