مقدمة رواية "على تخوم الوجع"
جمانة طه- فينكس:
قدمت لروايتي "على تخوم الوجع" التي صدرت في القاهرة عن دار الثقافة الجديدة 2021، بهاته الفقرات.
** قد أكون في هذه الرواية "أنا" على طريقة "غوستاف فلوبير" في روايته مدام بوفاري، حيث يقول: "أنا هي السيدة بوفاري، وقد لا أكون. لكنها في الوقت نفسه هي بعض من شخصيتي ومن حياتي ومن سيرتي الذاتية".
** الوطن فوق كل شيء، والحرية أعز صديق لي.
لوقيانوس السميسطائي السوري، المولود في القرن الثاني للميلاد في بلدة سميساط الواقعة على نهر الفرات الأعلى.
جمانة
..........
بعد تفكير طويل قررت أن أخوض تجربة الكتابة السيرية، تدفعني إلى ذلك حاجة نفسية ورغبة أدبية بتدوين ما عشته من أحداث أراها مهمة. لم يكن سهلًا عليّ استخراج ما في ذاكرتي وما تنطوي عليه نفسي، ربما بسبب مرور الزمن وربما لأنه حقيقي وإنساني.
الصور والأحداث تتقافز أمامي، تعيدني إلى العام 1956 من القرن الفائت حين كنت طالبة في نهاية المرحلة الإعدادية وإلى أشخاص عفا عليهم الدهر وأبلى عظامهم الموت، وتنقلني إلى زمن كنت فيه شاغلة الناس ومالئة قلوب العديد من شبان مدينتي الذين كتبوا لي الأشعار على باب الدار، ودسوا تحته رسائل الشوق والغرام.
***
كان اليوم ربيعيًا تتجمل فيه الطبيعة بالألوان والضياء، وكنَّا صحبة من الفتيات اليافعات اليانعات إذا مررنا تلتوي حولنا وخلفنا الأعناق. في ذلك اليوم ذهبنا في نزهة إلى بستان قريب من المدينة، لنستمتع مع أكلة التبولة بالخس البلدي الجميل الشكل واللذيذ الطعم. كان الدرب إليه ترابيًا لا صخور فيه ولا تلال، وإن لم يخل من أحجار صغيرة وحصى متناثرة تتحرش بأقدامنا تارة وتتجاهلها في أحيان أخرى. تحفه من جانبيه حقول وبساتين وأزهار متنوعة بين الأصفر والأزرق تغمر مسطحات الأرض والتواءاتها، فيما كانت عطور الأشجار والأعشاب تملأ الجو. أما الفرح بلمتنا، فكان يجعل الدنيا تبدو لنا في أجمل لحظاتها.
في طريق عودتنا من النزهة، لحظنا سيارة سوداء فارهة تقف أمام أحد الأمكنة، ولوحتها تحمل رسم علم يعود إلى بلد عربي. فضولنا لمعرفة صاحب السيارة الغريبة، حملناه إلى بيوتنا فلعل أهالينا أقدر على حلِّ هذا اللغز.
***
في اليوم التالي وعند عودتي من المدرسة، واجهني مشهد تحيرت في تفسيره. السيارة الغريبة تقف أمام بيتنا، وجمهرة من الناس تحيط بها. قدماي تأكلان درجات السلم الحجرية لمعرفة ماذا يجري، فتبادرني أمي: "إغسلي وجهك ويديك وبدلي ثياب المدرسة، فلدينا ضيوف يريدون رؤيتك". "رؤيتي، أنا!". "نعم، أنت" ترد أمي. "هل هذا يعني أنّ في الغرفة خطيبًا لي؟". "من قال ذلك؟!". "سمعت أحد الواقفين أمام البيت، يقول هذا".! "يا لطيف، ما أسرع ما تُنسج الشائعات! تتمتم أمي بعد أن فعلت ما طلبته أمي، حصنتني بسورة ياسين والقرآن الحكيم وناولتني صينية لأدخلها إلى الضيوف." إذا كانت زيارتهم من أجل الخطبة فلن أدخل". "اخزي الشيطان وادخلي، أبوك في انتظارك". على مضض حملت صينية يتراقص فوقها ثلاثة فناجين من القهوة، حييّت وقدمت القهوة للضيفين ولأبي، وأسرعت باتجاه الباب. فاستوقفني أبي ودعاني إلى الجلوس، وقال مُعرِّفًا برجل مهيب يضع على كتفيه عباءة شقراء: سمو الأمير "فلان"، وبآخر شاب: السيد فوزي سائق سموه. "البارحة وفي أثناء عودتك من النزهة مع رفيقاتك، رآك الأمير وأعجب بك فجاءنا خاطبًا". المفاجأة صلَّبت وجهي، ورقرقت الدموع في عيني. فأدرك أبي ما أحسست به، فقال موضحًا : "طَلَبُ سموه فاجأني، وقلت له إنك صغيرة على مثل هذه الخطوة". لم تخفف كلمات أبي من صدمتي، فكان فراري من الغرفة الردّ الأفضل. وفيما بعد عرفت أن الأمير عَذَرَ ردة فعلي، ربما لأن التمنع كما هو شائع في المجتمع العربي لا يعني الرفض، وربما ليقينه بأني سأكون له.
لقد تعلق بي لحظة وقعت عيناه عليّ، وشغفه قدي ومعطفي الأحمر وشعري الذي يستريح على كتفيّ مسدلًا إلى ما تحتهما. سواده وبياض وجهي جعله يراني وكأني هاربة من زمن أسطوري، هذا ما قاله لي فيما بعد. وَدَّعَ أبي سموه، وجمع أفراد الأسرة وأخبرنا بأن الأمير هو الحاكم في بلاده، وجاء إلى مدينتنا في زيارة صديق له من الأعيان، وعندما رآني طلبني للزواج. بكيت حتى تورَّم وجهي، فالحدث كبير ونتائجه قد تكون أكبر. كنت أعرف أن والدي رجل مستنير ولن يجبرني على ما لا أريده، وللحظات فكرت أن المواقف قد تتغير. قالت أمي: "يجب أن تفرحي يا خولة لا أن تبكي وتزعلي، فالأمراء يطلبون قربك. اطمئني فأبوك لن يوافق إلا إذا وافقت، فأنت مدللته. ألم أقل لك ذات مرة إنه أعطى الداية الحاجة أم بدر ليرة ذهب يوم ولدت، مع أنك كنت الخامسة.؟" انفرط عقد الأسرة، وراح كل واحد إلى أمره. أما أنا فانزويت في ركن من الغرفة أبسط جسدي مرة وأكوره مرات، أخربش على الهواء أشكالًا وأسماء، وصوتي المخنوق يصيح لا أريد!
***
تأخرت في مصافحة شمس يوم الجمعة، مع أنني لم أنم. لا أريد أن يفتح النور عينيّ، ولا أن أنفض اللحافَ عن جسدي. تمنيت أن أهرب إلى مكان بعيد خالٍ من الزوار، ومن ثرثرة تبحث عن تفاصيل خطبة لم تتم.
إزاحة البرداية عن الشباك وصوت أمي، أعاداني إلى واقع أكره حضوره. "كفاك نوم يا كسلانة، قومي قبل أن يصل الضيوف". "متى سننتهي من شلال الزيارات؟". سألتُ بامتعاض.
" لدى الناس فضول لمعرفة ما حصل أو ما سيحصل". ترد أمي.
"هم أحرار بفضولهم، وأنا حرة بأن لا أراهم".
"بلا كتر حكي، قومي الله يرضى عليك".
تغادر أمي، فأقفل وراءها باب الغرفة وأنصرف إلى نفسي غير آبهة بالنقرات المتكررة على الباب التي تدعوني للخروج ومجالسة الضيفات كما تقضي الطقوس الاجتماعية. لم تيأس أمي من محاولتها ترويض مزاجي وإقناعي بالخروج، بمناشدات وصلت حد التهديد. استعراض الضيفات لجمالي وتأييدهن ذوق الأمير في اختياري، لم يخفف من شعوري بالعزلة والضجر، كما لم يبعد عن وجهي الابتسامة الصفراء وأنا أتابع تعليقاتهن بعين محايدة وأذن غائبة. حضوري بينهن كان يبتعد وينأى بي إلى ذلك الغجري (القرباطي) الجميل الذي جاء منذ سنتين إلى المدينة مع فريق من بني جلدته على شكل سيرك صغير، يرافقهم طبل وزمر وضوضاء. أقاموا عروضهم في فسحة سماوية قريبة من بيتنا، وتابعتهم من خلال شباك يطل على المكان. أدهشتني براعة ذلك الشاب الأسمر الرشيق وهو يقطع المسافة على حبل رفيع مشدود بين حائطين، ويؤدي خدعًا بهلوانية مذهلة.
المشهد الذي لم أر مثيله من قبل، أقلق روحي خوفًا عليه من السقوط، وأسمعني طرقات قلبي. أضحك في سري، من المفارقة التي أعيشها الآن. رجلًا في سيرك لا أعرف له أصلًا ولا فصلًا يحتل ببهلوانيته مشاعري وما أزال أذكره، وأمير يرجو الرضا مني فأرفضه. يا لغرابة الحياة!
***
أرسل أبي رجل ثقة إلى الأمير المقيم في فندق بالمدينة المجاورة، يخبره باعتذارنا عن الموافقة على طلبه.
لم ينفرد الأمير بالاستنكار والامتعاض من ردنا، بل شاركه فيهما معظم أهل المدينة الذين قامت قيامتهم عليّ وعلى أسرتي، بدرجة نعتونا فيها بالجنون لامتناعنا عن قبول هذا الرجل (اللقطة).
أدهشني حرصهم على تزويجي بمن لا أريده، لمجرد أنهم يرون فيه لقطة. وتساءلت عن الفائدة التي سيحصلون عليها إن تم هذا الزواج، وعن خسارتهم إن لم يتم؟ أقفل أبي الموضوع، وطلب من أمي ألا تسمح لأي امرأة قريبة أو بعيدة بالخوض فيه. لكن موقف الأمير كان مختلفًا، فبعد أيام وعلى غير موعد طرق بابنا وجدد طلبه.
عندما عدت من المدرسة وعرفت بوجوده، اختبأت في غرفة وأغلقت دوني الباب باكية نادبة."لماذا أنا، ففي هذه الدنيا بنات لا حصر لهن ويرغبن بالزواج، فلماذا أنا؟".
أسى يخزُّ قلبي، فأنا لا أريد أن أترك مدينة فيها أورقت غصوني وتفتحت أزاهير صباي. ولا رفيقاتي، فأنا لا أذكر زمنًا لم أكن فيه معهن في بيتنا أو بنزهة في البرية أو مشوار على كورنيش البحر أوعلى طريق العمارة.
ولا بستاننا المترع بأشجار المشمش والتفاح الذي يرتاح على كتف نهر يمتلئ ويقّل وفقًا للفصول، وبجواره مزار وَليّ يقال له الأتربي.
ولا المدرسة التي من أجلها، كنت أبكي كل صباح عند ذهاب أخواتي إليها، وبقائي في البيت وحيدة.
لا أريد أن أترك أهلي، ولا أن أغادر بيتنا الوسيع المخضل ببهاء لم ألحظه من قبل. فحياتي منقوشة على كل حائط فيه، وذكرياتي تطل برأسها من كل زاوية. أمسح أركانه ببصري، فأجده أجمل بيت في الدنيا، ليس فقط لأنه يضم أبي وأمي وأخي وأخواتي، وإنما لأنه يشكل حياتنا كأسرة بكل ما فيها من منغصات ومسرات.
أتأمل الصالون الكبير ونافذته المنفتحة على جهة القبلة وسقفه المرتكز على أخشاب مبرومة ضخمة مدهونة بلون أخضر هادىء، وقد توزعت في جنباته كنبات منجدة بقماش من المخمل المطبوع بأوراد خضراء وصفراء. في صدر الصالون قنصلية ضخمة ترتفع شامخة بخشبها الثمين وتاجها المزخرف، وبذراعيها يحملان شمعدانين من الأونيكس الأخضر المموج. في موقع القلب منها، تستقر مرآة كبيرة تعكس في صفحتها النور والأثاث. ألقي نظرة على درجات السلم الحجري الواصل بين الفسحة السماوية، والسطح النابت بتنكات الورد والفل والقرنفل والزنبق البلدي عشق أمي. في السطح تعرش دالية عجوز على حامل خشبي، لم نترك حصرمها كي يتحول عنبًا. هذا المكان يحتضن عمري، شمسه تحفزني على النهوض وغرفه تمنحني الأمان. وأمي، كيف أقدر أن أغيب عن أمي؟ أعرف عدة نساء رائعات من جدة وخالات وجارات، لكن لم يصادف أن ارتقت واحدة منهن إلى مستوى أمي فهمًا ولطفًا وتضحية. رائحتها ياسمين، وروحها مَحبة، وتربيتها لنا عطاء. أسعد لحظاتي، عندما أضع رأسي على فخذها لتمسد شعري بأناملها، وتغني لي "يا غزال الربراب زاهي الجمال". أشعر كمن يتدحرج في الفراغ، عبر طريق مجهول مرصوف بالغربة والمعاناة.
أفتح الباب المغلق، أركض إلى أمي أعانقها وأقول: "ساعديني يا أمي، لا أريد أن أتزوج. لا أريد أميرًا ولا قصرًا ولا مالًا ولا جاهًا، ولا سيارات. قصري هو بيتنا، ومالي هو علمي، وجاهي هو أنتم أسرتي". تمسح على شعري، وتقول لي: كلامك يذكرني بميسون بنت بحدل، وما قالته لمعاوية رافضة الزواج منه: "لبيت تخفق الأرواح فيه/ أحبُّ إليّ من قصر منيف. ولبس عباءة وتقرُّ عيني/ أحبُّ إليَّ من لبس الشفوف".
كم مرة قلنا لك إن شيئًا لن يتم، إلا إذا رغبت بذلك. يا ابنتي، أن ترفضي الزواج منه شيء وأن تقابليه شيء آخر. فهو ضيفنا، وله علينا واجب الضيافة". استجبت لأمي، وحملت صينية عليها فنجانان من الشاي بالقرفة والجوز. استقبلني سموه بغبطة، وبمودة جزيلة. وبعينين تلمعان بإعجاب يماثل الدهشة، بفستاني الأخضر المشدود على جسد لدن وقوام ممشوق. أطرى جمالي بكلمات رافقتها نظرات، نمّتْ عن رغبة تكاد تفقد صبرها. لطفه وتواضعه وتباسطه بمحادثتي عن دراستي ونزهاتي مع رفيقاتي، أدخل إلى قلبي شيئًا من طمأنينة وأبعد عني الخوف والارتباك.
***
لم يسمع الأمير من أبي في عودته الثانية الرد الذي يريده أو كان يتوقعه، لكنه كان مرتاحًا ومسرورًا بحضوري. محادثتي معه وضعتني في مواجهة بين مشاعري، وبين طموحي العلمي الذي لا وجود له فيه. حاولت أن أنظر إليه كشريك في مستقبل رسمت في ذهني ملامحه، فلم أوفق. فهو أكبر عمرًا من أن يكون شريكًا لي، في أحلامي وتطلعاتي. يخامرني قلق، فقد لمست من أهلي لينًا في التعامل مع طلبه، وذلك حين ذكروا لي أن الناس في مدينتنا يشجعون هذا الارتباط الذي يمكن أن يحقق فوائد للمدينة ولمجتمعها. "لا، لن أقلق، فلن يتم الارتباط إلا بموافقتي. ثقتي بأبي وبحكمته لا حد لها، فهيبته الطاغية لا تحجب حنانه وتفهمه، حتى تصح فيه وعليه صفة السهل الممتنع. كما أن أمي التي تفيض عذوبة ودفئًا، لن تفرط بسعادتي".