ماذا وراء هذه الجدران

جهاد عطا نعيسة- فينكس:

 في مرحلة الإعداد لرسالة "الماجستير" في جامعة دمشق كان يشغلني النتاجُ السردي المكتوب عن تجربة السجن ـ تخييلاً روائياً، أو حقيقةً ـ وكنت ُ قرأتُ الكثيرَ من الأعمال التي تتصل بهذه القضية، عربيةً ومترجمة؛ ولعل أولها كان رواية: "ذكريات بيت الموتى" لـ"دوستويفسكي".. و"رواق الموت" للسجين القضائي الأمريكي "كارل تشيسمان".. الذي أُعدِمَ بالغرفة الغازية بعد اثنتي عشرة سنة من تأجيل حكمه، والذي شغلت قضيتُهُ العالمَ جرّاء دفاعه المستميت عن نفسه َوتَلاحُقِ أعماله الأدبية والقانونية " في السجن، بعد صدور حكم الإعدام بحقه.. ثم مذكرات المناضلة الأمريكية السوداء "أنجيلا ديفيس"؛ تلك التي لا تزال صرختها في الصفحة الأخيرة منها مدوِّيةً ومُلهِمَة: "لن أتوقف عن النضال من أجل حرية الإنسان حتى آخر يومٍ في حياتي"..
كان ذلك قبل أن يتحول ذلك الشاغل إلى قراءة ممنهجة في سياق إعداد مخطط البحث المناسب للرسالة.. هكذا تقصيتُ وقرأت وتأملت وقارنت أعمالاً كثيرة لاحقة من طراز: "الفراشة" للسجين القضائي الفرنسي "هنري شايير"، الذي استطاع الفرار من المستعمرة السجنية في "غوايانا" الفرنسية، تلك الرواية التي عَرَفَت اقتباساً سينمائياً شهيراً أيضاً بالعنوان نفسه.. ورواية "القلعة الخامسة " للروائي العراقي: فاضل العزاوي؛ ذات الحبكة واضحة التأثر برواية: "صحراء التتار" للروائي والشاعر والمسرحي والناقد والرسام الإيطالي "دينو بوتزاتي"، والثلاثية الروائية للطبيب اليساري المصري؛ زوج المناضلة المصرية الشهيرة نوال السعداوي "شريف حتاتة": "العين ذات الجفن المعدنية"، ومذكرات الصحفي اليساري المصري إلهام سيف النصر: "أبو زعبل".. وروايتَي "عبد الرحمن منيف": "شرق المتوسط" و"شرق المتوسط مرة أخرى" ونبيل سليمان: "السجن"، والمذكرات المهرَّبة من زنزانة الإعدام في سجن "بانكراك" النازي: "تحت أعواد المشنقة" للمناضل والأديب التشيكي "يوليوس فوتشيك".. ومذكرات طير الحرية اليوناني الموسيقار الشهير"ميكيث ثيودوراكيس": "يوميات المقاومة في اليونان"... إلخ.. إلخ.
وإذا اخترتُ وعرضتُ اختياري عنواناً ومخططَ بحث: "السجن في الرواية العريية" على الدكتور المشرف، فقد رفض البحثَ وعنوانه؛ بدعوى الحرص على مصلحتي ـ كما قال ـ ذلك أن أحداً من المجالس الجامعية المعنية بالموافقة على البحث ومخططه لن يسمح به، وسيكون جهدي كله زمناً ضائعاً ريثما أعثر على الموضوع البديل، الذي يستجيب لشروط الجامعة ومجالسها المَعنِيَّة، المُعلَنَةِ وغيرِ المعلنة... وكان ما كان.
بعد خروجي من "المضافة الدهرية"، أُتيح لي قراءة ثلاثة أعمال لنزلاء المضافة إياها هي: "الشرنقة" لحسيبة عبد الرحمن "، "القوقعة" لمصطفى خليفة و"ماذا وراء ـ هذه ـ الجدران" لـ د. راتب شعبو.
مع تجربة د. راتب شعبو نحن أمام عمل لافتٍ ومميز على غير صعيد:
1ـ راتب .. وسأقتصر منذ الآن، على استخدام الاسم عارياً من لقبه، لم يعش ويسرد حياةَ سجينٍ دهري فحسب، وهو سرد لافتٌ جداً في دقته وحساسيته وثراء تفاصيله، بل هو قد أضاء على نحوٍ لا يكاد يكون مسبوقاً، وكَشَفَ وعَرَّى، هذا العالم الذي يسرده عبر رؤية ثاقبة تتفاعل فيها الذات وموضوعها، على نحوٍ جدليٍّ خصيب، فجعلنا نرى ونعيش من جديد عبر أفق حر مفتوح للحوار والتحليل والاستنتاج تجربته بكل تفاصيلها الدالة والمؤشرة والفاضحة، لواقعٍ يصل إلى درجةٍ لا يمكن تصورها لانحطاط الطبيعة الإنسانية وتهاويها إلى أدنى دَركٍ يمكن تصوره.
2ـ على العكس تماماً من غرق بعض الكتابات، التي تتصل بحياة السجون لكُتّاب لم يدخلوا السجنَ يوماً؛ شأن عَمَلَي عبد الرحمن منيف المذكورَين وآخرين، فإن راتب قد تجنب النزعةَ التوجيهية والشعاراتية في سرده؛ تلك التي بالغت أيما مبالغة في الاحتفاء باستعراض البطولة الفردية والقوة الجسدية والنفسية،" السوبرمانية " بالمعنى الدقيق للكلمة، في وجه أدوات التعذيب الجسدي والنفسي غير محدودة الوحشية... ما عاشه ورواه راتب هو تجربة إنسانٍ حقيقي، بلا مزايدات ولا شعارات؛ لكأنه يريد أن يؤكد لكثيرٍ من أصحاب ذلك الإرث السردي التوجيهي أنه ما هكذا تُروَى حياةُ ما "وراء الجدران"، وأنهم في تصنيعهم القسري للإنسان/ النموذج، ولنقل "النمط" بتعبيرٍ أدق، قد هدروا كل الفرص المتاحة لتقديم الإنسان الحقيقي هدف كل سرد .. إنسان حقيقي، وليس تمثالاً يحقنه كاتبه بصيغه الجاهزة.
راتب الإنسان "وراء الجدران" يقوى ويضعف.. يجرؤ ويخاف.. يُقْدِمُ ويتراجع.. وكثيراً .. كثيراً ما يصرخ ألماً حين يتفاقم التعذيب بصوت يتجاوز الصوت الآدمي الذي يتعرَّف عليه هو نفسه.. راتب الإنسان يبكي داخل الجدران وخارجها بحرقة شديدة أحياناً، ولا يجد غضاضة، أو انتقاصاً من رجولته ، أو نضاليته أن يجهر بذلك ويكتبه بعيداً عن كل نماذجهم"الشمولية" البائسة. قليلةِ الإقناعِ والتأثير.
3ـ هي مذكرات شخصية.. نعم هي مذكرات راتب شعبو تحديداً؛ طالب السنة الرابعة أو الخامسة في كلية الطب البشري بجامعة دمشق، الذي أمضى ستة عشر عاماً وثلاثة أيام خلف القضبان.. ثلاثة سنواتٍ منها في ما سمّاه "مقبرة الأحياء" (سجن تدمر)، ومع ذلك فهي التجسيد الأمين والدقيق، على الرغم من بعض التمايزات الكمية وليست النوعية لهذه ال"مقبرة"، القابل ُللتعميم في نقاطخ وقضاياها الرئيسة لكل من عرف الجدران وما وراء الجدران:
الزمنُ الراكد والإحساس المكثف بوطأته .. ُ الحنين واللهفة الدائمان للحياة خارجاً.. مراجعةُ الذات المستمرة في كل التفصيلات التي سبقت مرحلة "ما وراء الجدران".. الأملُ الدائم بالإفراج والخيبة الدائمة ثم معاودةُ الأمل الدائمة أيضاً.. البحثُ الدائم عن جديدٍ مُطَمْئِنٍ، أيِّ جديد حتى لو كان حلمَ نائم..الترقبُ والقلق بمعاودة التحقيق والخوف الملازمُ لهما من تكَرار فصولِ التعذيب الوحشي الملازمة له.. القلق وزحام الوساوس المستمرة حول أوضاع الأهل والعائلة والأحبة عامةً.. أي كلَّ ما يعانيه السجينُ بوصفه بشراً من لحم ودم وليس تمثالاً حجرياً مستحيلَ الإقناع.. إلخ.. إلخ.
4 ـ العلاقة الوثيقة في هذا العمل الجميل والجليل فعلاً، بين الجمالي (الفني) والإنساني؛ شاهِدِي في ذلك حضورُ التحليل العميق المصاحب للسرد، التحليل الذي بوسعنا أن نقع عليه في كل نتاج راتب شعبو المكتوب مقالاً أو كتاباً.
هذا. ولعل البناءَ الدائري للعمل؛ الذي يحيلنا في لحظة الختام إلى لحظة البدء؛ حيث المواجهة الأولى في "ماراتون" الستة عشر عاماً والثلاثة أيام مع لحظة نبأ التوقيف ورحلته ومكتب الاستقبال في"الكركون" المُضيف هو الحلُّ السردي الأمثل لإطلاع القارئ وإشباع رغبته الطبيعية في معرفة ساعات البداية بعد إشباعه بتفاصيل زمن الجدران الدهريِّ المتطاول بغير نهاية... ساعات البداية التي تضيء وتُعَرِّي واقعاً عصياً على الفهم، تشير مفارقتُهُ المضحكةُ/ المبكية أن استدعاءً بسيطاً محاطاً بكثيرٍ من الإشارات والتلميحات المُطَمْئِنَة قد يستمرُّ ستةَ عشرَ عاماً وثلاثة أيام، ثلاثةُ ٍ منها في "مقبرة الأحياء" إياها...!!! ما يلي هذا الالتفاف الدائري لزمن السرد هو عَرضٌ وتحليلٌ صائب لمصير بطل العمل بعد نيل حريته، تلك الحرية المنقوصة والمسوَّرة بأقسى شروط العيش...إنه المصير القابل للتعميم أيضاًـ لدى معظم من نال حريته بعد دهر من الاعتقال الذي لم يصادر أحلى سنوات العمر فحسب، بل هو قد صادر معها مستقبل أصحابه أيضاً.. هذا وذاك يجعل من هذا العمل فعلاً "كتاب السجن" العربي الأول بغير منازع، ولعلي لا أرجم بالغيب إذ أتوقع له مكانةً بارزة جداً في مدوَّنة السجون عالمياً؛ تجعل منه مادةً مناسبة لترجماتٍ واقتباساتٍ في حقول كثيرة، جماليةٍ وغير جمالية.
5 ـ أخيراً.. هل أقول: المصداقية..؟
نعم، هي المصداقية..لأننا حين نمتلك المصداقيةَ في عملنا فإننا نقطع نصف المسافة المنشودة لتحقيق نجاحه، ونصل بغير عثرات إلى قلب القارئ وعقله في آنٍ معاً.
إن، مصداقية "ماذا وراءـ هذه ـ الجدران" هي القيمة الأهم في تشييد هذا الصرح الجمالي والإنساني بالغ القيمة والتأثير.
هي بضع إشاراتٍ عَحولٍ لا يتسعُ المقام لمزيدٍ من العَرض والتفصيل فيها، أو في سواها، آملاً أن يجد هذا التفصيلُ والعَرض موقعَه المناسبَ في دراسةٍ مستفيضة لاحقة في المنبر المناسب للاستفاضة، وبانتظار ذلك لا أملك إلا أن أقولَ في ختام هذه العجالة:
إنه لأسفٌ كبير أن يضيقَ الوطنُ بمثل هذه الأعمال، فيُشرِعُ أصحابُها أجنحتهَم ويصدحون بغنائهم الشجِنِ الشَجِيِّ بعيداً، ويلتمسون لإصدارها فضاءاتٍ أخرى تمنحها الهواءَ والماء.
من قلب القلب تحيةً د. راتب شعبو.