طيب تيزيني.. في ذكرى الرحيل
م. علاء الدين عبد المولى- فينكس:
كنتُ فتى مراهقاً حين تعرفتُ عليكَ في مكتبة الينبوع في حمص. فتى يكتب مواضيع تعبير وفلسفة للمدرسة الثانوية، يومئذ دخلت إلى المكتبة وهي لشقيقك الراحل عبد الودود، لأشتري حصتي اليومية من الجرائد والمجلات، وكل ظني أنني سأشتريها من حسان أو حسام أولاد أخيك كالعادة، لكني جمدتُ في مكاني حين رأيت أمامي وجهك أنت. لم أصدق أن الذي أمامي هو د. طيب تيزيني!
ارتجفت يداي في تلك اللحظة. فأنا لست معتاداً على رؤية المفكرين والفلاسفة والعظماء الذين كنت أقرأ لهم في الكتب والمجلات. وأرى صورهم أو حواراتهم في شاشات التلفزيون. تلعثمت روحي وكلماتي وأنت ترحب بي. التمعت عيناي فرحا ودهشة أنني ضيف د. طيب تيزيني. أجلستني يومها على كرسي مزدحمٍ بالجرائد القديمة، فالمكتبة ضيقة وتكاد تتسع لشخصين جالسين. جلستَ قربي واستمعت إليّ بإصغاء الأستاذ لتلميذ محبّ. شجعتني على مواصلة الدراسة، قلت لك أنا لا أحب المدارس ولا الجامعات. وعدتني أنني لو حصلتُ على الشهادة الثانوية فسوف تساعدني في دخول قسم الفلسفة في جامعة دمشق. قدمتَ لي يومئذ ضيافةً متوفرة في المكتبة، زجاجة شراب نسميها (كازوزة في حمص) ما تزال نكهتها في فمي حتى الآن. ليس لأنها عصيرٌ للشراب، بل لأن ما رافقها هو عصيرُ الفكرِ التيزينيّ المضيء. حين خرجنا من المكتبة بعد جلسة نصف ساعة، وكان طريق بيت أهلي هو اتجاه الطريق إلى بيت أخيك عبد الودود، رافقتكَ وسرنا ببطءٍ شديد وأنا أستمع إليك. ثم صافحتكَ مودّعا وأنا لا أصدق ما حدث معي. تلك كانت اللحظة الأولى لتعرفي عليك وجها لوجه.
ثم مرت السنوات والنشاطات والتجارب، وصرتُ من متابعي محاضراتك كلها في حمص أو دمشق، وأترقب صدور كتاب من كتبك أو دراسة أو مقالة أو حوار. ها قد أصبحتُ أكثر وأكثر من قرّاء ومعجبي مفكر عربيّ ولد في مدينتي وقرب الحيّ الذي عشت فيه خمس سنوات من حياتي الطفولية. ها أنا قد أصبحتُ من تلاميذ عقلكَ وعصير معرفتكَ الذي لا ينضب.
ومع النضوج والخبرة، أصبحتُ أناقشك في محاضراتك وأختلف معك كما يختلف الفرع مع الأصل، كما يختلف العاشق مع قمر عشقه، كما يختلف الشاعر مع المفكر... وكلما اختلفت معك أكثر كنت أشعر أنني أفهمك أكثر. غرقت في كتبكَ ومشروع رؤيتك الجديدة للتراث والحداثة والثورة، وكان عقلي يكبر ويتفتح مع كل صفحة من صفحاتك. كنت أذهب من حمص إلى دمشق فقط لأحصل على نسخة من كتاب جديد لك في مكتبة دار دمشق. أشتريه وأعود فورا إلى حمص وأنا مطمئنّ إلى أن الفكر الفلسفي بخير وأن مدينتي الصغيرة والقديمة، ذات الحجارة السوداء، بأزقتها الضيقة، أنجبت فيلسوفا عربيا لا يعرف الأزقة في فكره، ولا الانتماءات الضيقة.
تابعتُ فيك تطورك ونقدك لذاتك ولمنهجك المادي الجدلي، حين سقط الاتحاد السوفييتي. علمتني درساً جديداً هو أن المفكر ينبغي أن يطور أدواته وأسئلته بجرأة وشجاعة وأن يمارس النقد الذاتي على مشروعه أولا. وكنت حين أقرأ اتهامات المفكرين لك بعكس ذلك أشفق عليهم وأحزن لأجلك.
يوم رحلتَ بكيتُ على سوريا وعلى ذاتي وعلى أستاذ كبير.
يوم رحلتَ نقص جزء من داخلي.
لكن اللقاء الأول بك في (الينبوع) ما زال يتجدد كل سنة مع فكرك ونقدك وفلسفتك، ما زال طيب تيزيني في داخلي ذلك (الينبوع) الذي لا يتوقف عن الولادة...