"سطور من سيرة".. محطّات في ذاكرة د. نوفل نيّوف

منذ بضع سنوات، بدأت فينكس بنشر سلسة محطّات في الذاكرة، تكتبها، بأقلامها، شخصيات فكرية وثقافية وإعلامية مرموقة.. واليوم، يكتب لنا، وبناء على رغبة فينكس، الشاعر والمترجم والقاص د. نوفل نيّوف بضع محطّات من ذاكرته أو "سطور من سيرة" كما عنونها.                        

نوفل نيّوف- فينكس:

ولِدت في قرية بارمايا / منطقة بانياس، يوم 6/12/ 1948، في بيت فلّاحيّ ميسور بمقاييس بيئته وزمانه. فقد كان والدي علي حبيب دَلّه (1915– 1967) يملك من الأرضِ ما يكفي (لزراعة القمح والشعير، والبقول والخضار، والتبغ خاصة، كمصدر دخلٍ رديف بالغ الأهمية)، ومن المواشي (أبقار، غنم، ماعز)، ومن الأشجارِ المثمرة (زيتون، عنب، تين) ما يضمن مستوى حياة كريمة لأسرة مؤلّفة من سبعة أولاد، بالإضافة إلى أبي ووالدته وأمّي.

قبل امتدادها السريع والكبير شرقاً وغرباً وجنوباً، كانت قرية بارمايا تبعد عن مدينة بانياس الساحلية مسافة خمسة كيلومترات. وهي أول قرية تمر بها الطريق المعبّدة باتجاه القدموسأغلفة كتب د. نوفل نيّوف وبعدها...

صورة الأب

كان والدي، رَبعَ القامة، معافى، قويّ البنية، متديِّناً، حسَن المعشر، مشّاء جيِّداً ولم يتعاطَ التدخين أبداً. في مزاحه سخرية شفّافة مبطنة، وفي أحاديثه أمثال وكنايات قلّما سمعتها من غيره. يقول عن سريع الغضب: "مثل الحمّص على الطبل"، وعن أشرار يتشاجرون: "نابُ كلبٍ في جلد خنزير"، وعمّن يقضي وقته متسكِّعاً بين بيوت الناس: "مثل الكلب المحروقة ساقُه"، وعمّن لا يؤبَه له: "مَن بِكحلك يا مرَة الأعمى؟!"...  ومن جهة أخرى، كان صارماً في تربية الأولاد، لا يخلو من نزق، جدّيّاً في العمل والعلاقات والحياة عموماً. في طفولته تعلّم عند الخطيب (= في الكتّاب) قراءة القرآنَ وكتابة الخطَّ. لم يكن له عداوات، ولا خصومات مع أحد على أرض، أو مال، أو كلام. كان كريماً، محسناً، يؤوي الفقير والغريب، ولا يردّ طلب محتاج. كثيراً ما كان يلومنا الأقربون على ثقتنا بالناس، واستضافتهم، وتسامُحِنا معهم، وعلى شفقتنا الزائدة، فيقولون عنّا: "بيت بو خطيّة!". 

كان الجو العائلي في بيتنا دافئاً، هانئاً بصفة عامّة، وودّيّاً، خالياً من أي مناوشات أو خلافات بين الأولاد. ويعود الفضل في ذلك أوّلاً، بقدْرٍ كبير، إلى ما كانت أمّي وجدّتي لأبي تتمتَّعان به من رقّة، وحنان، وتسامح، وصبر وتفانٍ في كل شيء. لم أرَ أو أسمع يوماً أيّاً منهما تصرخ أو تستسلم لغضبها، لا في البيت ولا في موقف مع الآخرين، لأيِّ سبب كان. فقد كانت جدّتي حمامة، حمَامةُ حقاً مثلَ اسمها، في علاقتها مع أمّي. وخلافاً للصورة السيّئة عن التعامل بين الحَماة والكنّة، كان ما بينهما علاقة أمٍّ بابنتها، وبالعكس. وكان ذلك مضرِبَ مثل في القرية. وهذا ما أهَّلها لأن تكون ميزان الاعتدال، وتهدئة خاطر والدي، عندما يغضب أو يرفع صوته على والدتي. فهو لم يكن يخاصم أمَّه، أو يردّ لها كلمة أو طلباً إلا بعد مناقشة بكامل الاحترام والتقدير.

كان والدي يرتِّل القرآن بخشوع وصوتٍ جَهوريّ في الصباح، ونحن نستمع إليه فنحفظ كثيراً من الآيات عن ظهر قلب. وكانت جدّتي، التي رعتني ودلّلتني أكثر من أمّي المشغولةِ دائماً، فخورةً بأني منذ التاسعة من عمري، مثل والدي، أقرأ القرآن بصوت عالٍ قبيل الغروب، بعد عودتي من المدرسة... هكذا كان والدي مدرستي الأولى في تذوُّق اللغة، ثم في الافتتان بالشعر وبٌحوره وقوافيه، وإيقاعه الموسيقي الراسخ في ذاكرتي، حين كان ينشد في الأماسي على أسماعنا عشرات الأبيات من شعر الصوفيَّين المفضَّلَين، وربما الوحيدين لديه: منتجَب الدين العاني، والمكزون بن حسن السنجاري.

كانت والدتي تطلب إليه أحياناً، وهو "يُقَصْدِن"، أي ينشد القصائد، أن يُسمِعَنا قصيدة "الهبّودي" التي، لسببٍ ما، كانت تحبها كثيراً:   

إن كنتَ لي صاحباً قفْ لي بهبّودِي           وقل لعينيك في أطلالها جودي

عسـى الدمـوعَ إذا انهلّت عوابرُهـا            تَطفي لهيباً سليبَ اللبِّ مغمودِ

كان والدي يعرف أني أستعير دواوين شعرٍ من مكتبة المدرسة، وأكتب قصائدَ (مراهقٍ) عمودية. ولا أعرف لماذا سألني، وأنا في الصف الثالث الإعدادي (خريف 1962) إن كان الوزن مكسوراً وأين، في قصيدة "الهبّودي" التي أحفظ كثيراً من أبياتها. فقلت لا، ولكنْ فيها أخطاء نحْوية، وشرحت له تلك الأخطاء فقرأتها له على النحو التالي:

إن كنتَ لي صاحباً قفْ لي بهبّودِي            وقل لعينِك في أطلالها جـــودي

عسـى الدمـوعَ إذا انهلّت عوابرُها             تُطفي لهيبَ سليبِ اللبِّ مغمودِ

                                                                 ***

ثلاث نساء

جدّتي لأبي، حَمامة، كان والدُها عبّاس إحسان نيّوف مشهوراً بقوّته ورجولته... وكان بين من سيققوا إلى حرب اليمن، وعاد منها بعد سنواتٍ سالماً، ولكنه لم يصل إلى بيته وعائلته. وقال مَن رافقوه في رحلة العودة، وافترقوا عنه على الخط البحري قبيل قلعة المرقب، إنه تابعَ طريقه مع آخرين، ما يرجِّح أن يكون قد قُتِل غيلة لِما كان معه من مال.

خلّف عبّاس إحسان وراءه زوجة وطفلتين: حَمَامة التي تزوّجها جدِّي حبيب؛ ومريم التي تزوّجها شقيقه الأكبر أسعد.

لا مجال هنا للاستفاضة في الحديث عن المرأتين، الأمّين (جدّتي لأمّي، أمينة سويدان، ووالدتي تمرة عبيدان) اللتين تكلِّلان رأسي وقلبي وروحي بأفضالٍ لا تُنسى... أكتفي بالقول إن جدّي لأمّي خلّف زوجة وطفلتين: تمرة وعمرُها حوالي عام، وأختها عزيزة وعمرُها ثلاثة أعوام. ورحل إلى الأرجنتين أيام سفربرلك، على طريقة (خرج ولم يعُدْ). لم تكن أمُّهما قد بلغت العشرين بعد. ولكنها ببطولة ـ ولا أبالغ، بل أعني ما أقول ـ رفضت الزواج أو العودة إلى بيت أهلها، وفضَّلت البقاء في بيت شقيق "المحبوب" حتى نهاية حياتها. وعقاباً لها على ذلك كان عليها ألّا تدخل بيت أحد في القرية على الإطلاق. أذكرها جيداً، وأذكر تفاصيل قاسية لا يتّسع هنا لها المقام...

رائحة الدمّ

عام 1954/ 1955، حين لم يكن في قريتنا، الكبيرة نسبياً، ما يتعدَّى خمس غرف وبيوت إسمنتية، قرر والدي بناء غرفتين حديثتين مع مطبخ بسقف إسمنتي. فاستأجر عمالاً لقطع الحجر الأبيض من مقلع بالقرب من مفرق قرية البلوطية، باتجاه القدموس. وكنت أرافقه بفرح طفوليِّ عارم في شاحنة بيت العاتكي (من قرية طيرو) لجلب تلك الكتل الصخرية البيضاء، الجميلة، الملساء... وبثقة، سرعان ما تكشّفت عن حظٍّ عاثر وغفلة مدمِّرة، جاء والدي برجل غريب لينحت لنا الحجر للبناء، فنحت أحاديثَ العزف على وتر الدين والصلاح والخوف من الله... حتى أقنع والدي بأن الأفضل هو تكسير هذه الحجارة الرائعة، وبناء بيت عربي فسيح، بسقف من طين! بل وأن يتولّى هو شخصياً بناء هذا البيت... لم تُفِد معارضة جدّتي وأمي، إذ وقف الحُسّاد إلى جانب النحّات، فضاع المال، وضاع البيت الحديث والأحلام...

سنة 1961 أو1962 في أثناء الدراسة الإعدادية في بانياس، فاز والدي بجائزة "مديرية حصر التبغ والتنباك" في المنطقة على محصول التبغ الذي قدّمه. ولكن الجائزة انقلبت على العائلة وبالاً... صحيح أنه ليس للمال رائحة، ولكنّ صيته قد يصير أقوى وأخطر من أيّ رائحة أخرى تجتذب...

جاءنا هذه المرّة "نحّاتٌ" من نوع آخر، مزوّدٌ بموسيقى دينية أيضاً، إنما أقوى تأثيراً على والدي من سابقتها التي نحتت الحجر... فأعطاه والدي المال الذي كسَبناه بجهود مضنية بذلتها العائلة كلها، مقابل وعود معسولة بأنه سيعتبره شريكاً له في تجارته... إلخ. ورفض والدي النصيحة بأن يكتب سنداً/ وثيقة بالدَّين الذي أقرضه. فقد كان مسلّحاً بثقة راسخة أن أخاً على هذا القدْر من الإيمان لا بد أن يخاف الله، فلا يمكن أن يَغدِر أو يخون!..

ربما بعد أقل من سنتين ذاب المال، وتبخّرت الشراكة، ومعسولُ الوعود... خرجنا من المَولِد بلا حمّصٍ، ولكنّ والدي، الذي لم يدخل في حياته عيادة طبيبٍ بشري أو طبيبِ أسنان، خرج بجلطة دماغية (انفجار الشريان السُّباتي) أوائل سنة 1963، كادت تودي بحياته. ثم تكررت بعد بضعة أشهر... ولم يوقف زحفَها طبيبٌ ولا نذورٌ حتى تطوّر الشلل النصفي سريعاً إلى شلل كامل استنزف ما في الجيب... لم يكن عندنا خالٌ ولا عمّ، فوقع الحِمل كلُّه على عاتق والدتي وشقيقتيّ الثالثة والرابعة، الباقيتين حينها في البيت (كنّا أربع بنات، وبعدهن ثلاثة ذكور أنا أكبرهم). 

التحقت بدار المعلمين العامة في حمص، خريف 1964.

وتوفّيَ والدي في شهر أيار من عام 1967.

***

بعد وفاة والدي انقلب ميزان الحياة تماماً. ففقدانُ الأب، كدعامة أساسية ماديّاً ومعنوياً، بحد ذاته، خسارة لا تعوّض. في فترة شلله تولّى أقربُ الناس إليه حسن أسعد دَلّه (ابنُ عمِّه وخالتِه في آن) الاهتمامَ بالأرض ومواسمها سنة أو سنتين... بطبيعة الحال، كان شمْل العائلة قد تشتت. أختي الثالثة كانت قد تزوّجت والتحقت بزوجها في دمشق. واصطحبتُ أخي الثاني معي إلى حمص حيث تابع دراسته الإعدادية. لم يبق في البيت إلا أمّي وأختي الرابعة وأخي الأصغر (كان عمره عشر سنوات). 

سنة 1967 حصلتُ على الشهادة الثانوية (كطالبٍ حرّ)، وترفّعت في دار المعلِّمين إلى السنة الرابعة والأخيرة. ولمّا كان على خرّيجي دار المعلّمين أن يعملوا سنتين في مدارس محافظات الجزيرة السورية، انتسبتُ إلى كلية اللغة العربية في جامعة حلب لأكون بعد التخرج قريباً منها.

إلا أني نجحت بعد تخرّجي من دار المعلِّمين (صيف 1968) في مسابقة الإيفاد في وزارة التربية إلى الاتحاد السوفيتي (تقدمت إليها بعد حصولي على الشهادة الثانوية) لدراسة اللغة الروسية وآدابها لصالح وزارة الثقافة. كنت قد باشرت العمل معلِّماً في محافظة الرقة في قرية نائية على الحدود التركية، ولم يصلْني خبر المسابقة التي كنت قد نسيتُها أصلاً، إلا متأخِّراً جداً. وكدتُ أخسر فرصة الإيفاد لولا مصادفةٌ قدرية تشبه المعجزة، غيّرتْ مجرى حياتي جذرياً...

في تلك الأيام كان تصوّر أمثالي واحداً تقريباً: الجمعُ بين التعليم والدراسة الجامعية، ثم أداء الخدمة العسكرية، فالعودة إلى المنطقة للزواج والاستقرار. 

أنوار الطفولة الأولى

في الخامسة من عمري كنت في الصيف أتعلّم القرآن بيُسرٍ وشغَفٍ شديدين. كنت أصغرَ خمسة أولاد، نتحلّق على حصير في حجرة ترابية صغيرة حول "الخطيب" أحمد يوسف في "الحارة التحتانية" من القرية. باقي الأولاد كانوا في صفوف مختلفة من المدرسة، يأتون لتحسين دراستهم المتعسِّرة. كنت أشعر بالخجل والخوف حين يجبرني الخطيب على جرِّ كبير الأولاد من أذنه مسافة طويلة عبر القرية عقاباً وإذلالاً له على كسله. كان الولد طويلاً، يجبره الخطيب بقضيب الرمّان على الانحناء لأستطيع القبض على أذنه. الناس يخرجون من بيوتهم يصيحون ويضحكون. يدي تتعب وأحمرّ بين همس المجرور: "رخِّي إيدك"، ولسعهِ بقضيب الرمّان وصيحة الخطيب لي: "شدّ منيح"، فأتعرَّق!

وهكذا دخلت المدرسة ملمّاً بمبادئ القراءة والكتابة، واثقاً من نفسي، قويَّ الذاكرة، توّاقاً للكتاب. كنا خمسة صفوف في بيت ترابي ندفع أجره السنوي (ليرة ونصف من كل تلميذ). معلِّمنا تلك السنة، الأستاذ عادل الصباغ من بانياس، كان شاباً أنيقاً، متحمِّساً لمهنته، وجدّيّاً. كان يشجعِّني بإعجابٍ صريح زادني حبّاً للمدرسة والدروس. في نهاية العام الدراسي جمعنا في صباح حزيرانيّ أمام المدرسة وطلب أن يغنّي كل تلميذ أغنية، أو دلْعونا، أو بيت عتابا أو ميجَنا، لا يكرِّرها غيره... أمام الجميع قبل أن يستلم جلاء النجاح!

كان يوماً من المواقف المضحكة والبهيجة لا يُنسى!

عندما جاء دوري، أنا الصغير، الخجولُ، المرتبك... كنت قد عصرت أفكاري وذاكرتي حتى الدموع، قبل أن أستحضر بيت ميجَنا كنت أسمعه من أختي وزميلاتها، وما ظننت يوماً أني أحفظه، فردّدته في نفسي مراراً... وجلستُ أمامه في حالة مزرية ظننتها كفيلة بأن تجعله يشفق علَيّ ويقول لي: خذ جلاءك واذهب، يا شاطر. أنت مُعفى من الغناء!

لكني فاجأته باستعدادي للغناء، فصاح:

  • - سُكوووت!  

وأوقفني إلى جانب كرسيّه ووجهي إلى التلاميذ وقال لي: - ارفع صوتك.

لا أعرف كيف صمدت واقفاً، وكيف ارتفع صوتي: 

نزلِت على البستان تَتْحوِّش ورقْ

نطْرِتْ على الدربينْ حُبّا ما مرق

عزمتني ع البيت تا أشرب عرق

كسرتْ الفنجان وتهمتْني أنا...

تصفيق!

لا أصف ما جرى!

وأدهى من ذلك، أني صرتُ، أنا الطفل، حديث القرية لسنوات.

***

أراضي بعض القرى في جبال الساحل السوري كانت مملوكة لأشخاص، سمِّهم إقطاعيين أو ملّاكاً... في قريتي ومحيطها القريب كانت الأراضي ملكاً للسكان أنفسهم. كان مستوى الحياة متدنّياً جداً، فالمساحات الزراعية في المناطق الجبلية ضيقة وقليلة. والعمل شاقٌّ ومضنٍ. وأدوات العمل قرينةُ المحراث الروماني الذي يزيد عمره عن ألفَي عام، والانغلاق على العالم مستمر منذ العهد العثماني المديد!

كانت حياة الفلاح قاسية نتيجة ضيق المساحات الزراعية، البعلية كلِّها تقريباً، وقلة محصولها، وما يمليه العوز والفقر والبرد من إحساس بالذل والضعف واليأس، ومن أمراض وعاهات وسوء تغذية ولباس... وعلاج، أيِّ من تلك المشكلات المترابطة، مهما صغر، يتطلب من العائلة كلها بذلَ جهود كبيرة وشاقة في العمل اليدوي المنهِك: كالفلاحة، والزراعة، والعناية بالمحصول، وجنيه ونقله ثمّ إعداده للتخزين والاستهلاك. وهذا فضلاً عن انعدام وسائل النقل والآلات الزراعية الحديثة (الجرّار والدرّاسة...) التي لم يعرفها قبل بداية ستينيات القرن الماضي. ثم ازدادت انتشاراً ووفرة فقلبت حياة الفلاح وعائلته رأساً على عقب. وتزامناً مع هذا الانقلاب الذي جعل جهود شهور تنقضي في ساعات، توفرت للفلاح فرصة لتعليم أولاده في المدارس. وهكذا انفتحت أمام أجيال متلاحقة فرص العمل والوظيفة، والطموح والتنافس، والاختلاط وتوسيع الآفاق.

حين دخلتُ المدرسة عام 1954 لم يكن فيها إلا الذكور. (كانت بنت واحدة فقط من قريتي بارمايا قد تخطّت المرحلة الابتدائية في ذلك الوقت). بعد سنتين أو ثلاث سنوات بدأ عدد الإناث يزداد بسرعة.

حصل أول اثنين في قريتي على الشهادة الثانوية في بداية ستينيات القرن الماضي. وبعد ستين سنة من تلك البداية المتأخرة لانتشار التعليم العام، تخرج من أبناء تلك القرية وبناتها حتى الآن، على سبيل المثال، أكثر من مئة طبيب وصيدلي ومهندس، وأكثر من مئتين من جريجي الكليات والمعاهد والاختصاصات الفنية الأخرى. وذلك فضلاً عن انعدام الأمية كلّيّاً بين الأجيال التي ولِدت قبل نصف قرن.   

***

أمضيت تسع سنوات في المدرستين، الابتدائية والإعدادية، لم يظلمني خلالها معلِّم بالدرجات، ولا بالمعاملة، ولا بالكلام. نظرياً، كان الضرب ممنوعاً. لكن بعض المعلمين كان يستعمل العصا أو اليد أحياناً.

مرّ على مدرسة القرية في أيّامي ثلاثة معلمين ممتازين كفاءة وأخلاقاً وعدلاً (وعذراً إذ أقول إنهم كانوا من مختلف الطوائف). كانوا يستعملون المسطرة أو قضيب الرمان أحياناً لتخويف التلاميذ يُغية ضبطهم، من دون قسوة أو تشفٍّ، حتى عندما يعاقبوننا.

في المدرسة الإعدادية كان لكل مادّة مدرِّسها الكفوء، المتفاني في أداء واجبه التعليمي والتربوي. أذكر أن مدرِّس مادة التربية الدينية كان الوحيد الذي يتعامل بقسوة فائقة لفظاً وضرباً مع من يعدُّهم مذنبين.

في دار المعلِّمين بحمص (1964 ـ 1968) كان عددنا في صفٍّ واحد (ثماني شُعَب) أكثر من 320 طالبا. لم يكن للعقاب الجسدي (الضرب) وجود. وذلك بخلاف التعنيف اللفظي.

أذكر، كان عندنا في السنة الثانية أو الثالثة مدرس تربية بدنية (رياضة) شابّ. في أحد الدروس وزّع علينا كرات القدم والطائرة والسلة واليد. ثم جمعنا في آخر الدرس للتفقد. كنّا، أنا وبعض طلاب آخرين، نتحرك في المكان بهدوء وصمت، بانتظار أن ينتظم الصف. لا أعرف لماذا اختارني المدرِّس لإفراغ غضبه علّيّ بهياجٍ وألفاظ لا تليق بأزعر في السوق. حيّرني أنه لم يكن هناك أيُّ داع من جانبي لتصرّفه الغريب. تعاطف معي زملائي، ولم أشكُه للإدارة... لكنه ترك في نفسي شعوراً بالظلم لا يزول.

بالمقابل، كان مدرِّس مادة اللغة العربية في السنة الثالثة أستاذاً ممتازاً، طويل القامة، حليق الذقن، حسن الهندام، نحترمه ونقدِّره (ربما كان في الخامسة والثلاثين من عمره؟). فجأة غاب عن الدروس أسبوعين أو أكثر. فعلمنا أنه من الإخوان المسلمين، وكان موقوفأً على ذمّة التحقيق.

وذات مرّة كنت في درس مادة التاريخ، وإذا بطالب يقرع الباب، ويبلِّغ المدرِّس أن الأستاذ سعيد، مدرِّس اللغة العربية، يطلبني!

المفاجأة حرّكت في رأسي كلّ الذنوب الممكنةِ وغيرِ الممكنة.

دخلت شعبة في الطابق الثاني ينتظرني فيها المدرِس وأكثرُ من أربعين طالباً. كنت مرتبكاً، فبتّ خائفاً من المجهول. ومن دون أيِّ شرح أو حساب، قال الأستاذ:

ـ هذا نوفل نيّوف أمامكم! ـ ثم أشار إلى مقعد ليفسحوا لي مكاناً فيه. ـ اعطوه مسرحية "الإزار الجريح" (مسرحية شعرية تأليف سليمان العيسى، كانت مقررة علينا للقراءة والمطالعة). واختاروا أيّ صفحة ليقرأها أمامكم!

لن أصف الزلزال الذي جمّد الدم في عروقي! وجدت نفسي في دوّامة، لا أعرف بماذا أفكر، ولم أستطع أن أسأل عمّا أنا فيه. لماذا؟ ما المقصود؟

قرأت لا أعرف كم من الوقت، بصوتٍ عالٍ، وبعينين بالكاد تُبصران الكلام.

ـ يكفي. ـ قال الأستاذ ونهض، فخاطب الطلاب:

ـ هل ارتكب زميلكم خطأ، وأين؟

يطرح الطاب سؤاله، فيخاطبني المدرِّس:

        ـ قل له، لماذا نصبت هنا ورفعت هناك؟ ما هو إعراب هذه الكلمات؟..

طرحوا علَيَّ أربعة أسئلة أو خمسة، أجبت عليها كلِّها.

 لم يعترض أحد!

ـ هل علمتم الآن لماذا وضعت له عشرين درجة من عشرين في النحو؟ ـ كان الصمت ثقيلاً كالرصاص. فالتفتَ إليّ وأضاف:

ـ شكراً، يا ابني، اذهب إلى صفِّك!

خرجت في حالة أسوأ مما دخلت. أغلقت الباب روائي واستندت إلى الجدار قليلاً، قبل أن أهبط الدرَج.

لم يكن ذلك الموقف امتحاناً عاديّاً. كان أقسى امتحان واجهته في حياتي الدراسية كلِّها.

***

تلقيت الشعر منذ طفولتي المبكِّرة، كما أسلفت. واختار لي والدي اسماً، غيرَ مألوف إطلاقاً في بيئتنا تلك الأيام، حبّاً منه بشعر نوفل الياس. وقد، ردّد ذلك على مسمعي وفي حضوري مراراً كثيرة. حين كانوا يستغربون اسمي (المسيحيّ!)، كان والدي يذكر لهم قصة ورقةَ بنِ نوفل ودوره في تزويج قريبته المسيحية خديجة من النبيّ محمد. 

تقديراً للعلم ورغبة منه في أن أبلغ فيه ما كان بحسرةٍ يتمنّاه لنفسه، قدّم والدي تاريخ ميلادي ثمانية أشهر، فجعله رسمياً يوم 10 نيسان 1948 (بدلاً من 6 كانون الأول 1948)، وذلك لأكسِب سنة فأدخل المدرسة في سن السادسة، وليس في السابعة.

أستغرب حتى اليوم لماذا لم تكن الثقافة مطلباً أو هدفاً ذا بال لدى عموم المتعلِّمين في قريتي أو في بانياس ومنطقتها كلِّها؟ كان معظم المتعلِّمين في هذا الحيّز الجغرافيِّ الضيِّق، يطلبون الشهادة للوظيفة لا غير. بينما شكّل ريف طرطوس وجبلة واللاذقية رديفاً بالغ الأهمية للثقافة السورية في الثلثين الأخيرين من القرن العشرين.

في كتب المدرسة أحببت أشعار محمد الهراوي[1] والمهجريين، ومقتطفات من الشعر الجاهلي، مثلما أحببت ملحمة الشعر الشعبي "تغريبة بني هلال" التي منحتني جناحين في غابة خيال ومتعة. في محيط قاحلٍ ثقافياً، وصَف بعضهم جبران والمنفلوطي "دواء مقوِّياً" لنا في الإنشاء (التعبير)!..

بعد ذلك، دار المعلمين وكتاب ميخائيل نُعَيمة "الغربال"، بما فيه من تمرُّد على القديم، ونظرٍ نقدي عميق، وتشويق إلى معرفة لغات أجنبية، وأسلوبٍ ساحر... هناك انفتحت أبوابٌ أوسع إلى الشعر العربي القديم والحديث، إنما اعتباطاً، من غير منهج أو موجِّه، إلا الإعجاب والمصادفة: امرؤ القيس، طرفة بن العبد، عمر بن أبي ربيعة، جميل يثينة، أبو نُواس، المتنبي، أبو تمّام، المعرّي، ثم إيليا أبو ماضي، بولس سلامة، عمر أبو ريشة، بدوي الجبل، أبو القاسم الشابّي، نزار قباني، بدر شاكر السياب، خليل حاوي... فالموجة الفلسطينية توفيق زيّاد، محمود درويش وسميح القاسم...

لم ألتفِت إلى الأدب المترجم إلى العربية، ولا إلى الرواية حتى بالعربية، إلا في صيف 1966. قبل العودة من حمص لقضاء عطلة الصيف أغراني صديق عزيز (مالك الشيخ) بقراءة رواية مارغَريت ميتشِل "ذهب مع الريح" التي جعلتني أضيف إلى حبّي الأوّل ضُرّة، فأقدِّم الرواية على الشعر، منذ ذلك التاريخ! 

ابتدأتْ بعثتي الدراسية إلى الاتحاد السوفيتي (خريف 1968) من السنة التحضيرية التي تعلّمت خلالها اللغة الروسية في موسكو. ثم أمضيت السنوات الجامعية الخمس التالية في جامعة لينينغراد الحكومية، فحصلت على درجة الماجستير باللغة الروسية وآدابها (صيف 1974).

أوّل رواية قرأتها بالروسية هي رواية ميخائيل ليرمونتوف "بطلٌ من زماننا". فقد اخترتها في السنة الثانية، رغم صعوبتها، لمادّة القراءة المنزلية (يستقبلني أستاذ المادة مرة كل أسبوع مدّة 90 دقيقة أحدِّثه خلالها ما فهمته من قراءة فصل (أو 25 صفحة)، وأسأله عمّا لم أفهمه من كلمات أو جمل غامضة أكون قد سجّلتها في دفتر خاصٍّ بالمادّة).  

[1]  محمد حسين الهرَاوي (1885-1939)، شاعر مصري، رائد أدب الأطفال ومسرح الطفل بالعربية. مز يذكره اليوم؟!