دور المثقف وتحديّات بناء الدولة

أمينة عباس- فينكس

تعددت الآراء والأفكار والطروحات التي قُدّمَت تعقيباً على الحوار الذي عقده اتّحاد الكتّاب العرب مع الباحث والكاتب السوري د. حازم نهار حول المثقف وتحديات بناء الدولة، حيث لم يكن من السهل مناقشة هذا الموضوع في ظل التباين في وجهات النظر حول العديد من القضايا المتعلّقة بالمثقف ومفهوم الدولة وبعض المصطلحات التي تمسه والتي ما زالت تُعتبر ذات إشكاليّة كبيرة.. ويبيّن رئيس اتّحاد الكتّاب العرب د. محمد الحوراني في تقديمه لنهار أن الحوار المفتوح معه يحمل الكثير من المعاني، في مقدّمتها أنه من المثقفين السوريّين الذين ظُلِموا في بلدهم وهو الكاتب والمثقف والمترجم الحقيقي الذي يعرف ماذا يريد في المجالات الإبداعية التي يخوضها لأنه صاحب فكر وثقافة مختلفة.

وقبل الخوض في موضوع الجلسة حرص نهار على التأكيد على أن الجلسة ليست لتقديم الإجابات التي هي نمط تعليم استبدادي شمولي بل لطرح الأسئلة انطلاقاً من عنوانها "دور المثقف وتحديّات بناء الدولة" ومن ندوة حازم نهارما تفترضه اللحظة الراهنة، إذ يبدأ حديثه بضرورة إعادة الاعتبار للمثقف والثقافة في ظل بعض الانتهاكات التي تعرّض لها في المرحلة السابقة قائلاً: "المُقَدَّس الوحيد في ساحة الثقافة والفكر هو الحرية مهما كانت وجهة نظر الشخص، ومسموح لكل السوريّين أن يمتلكوا وجهات نظر مختلفة، ولا يجب وضع معايير وقوانين على التفكير بل يجب أن يكون المعيار الوحيد الذي تُبنى على أساسه الدولة الوطنيّة هو الحرية للجميع في التعبير عن آرائهم".

وفي ظل التعاريف الكثيرة للمثقف يميل نهار أنه يميل دوماً إلى أنه "الشخص الذي يهتم بالشأن العام، ولديه من أدوات ووسائل التعبير والتأثير لأن الاهتمام بالشأن العام الوطني والعيش ضمن متطلباته من العناصر الأساسية التي تميّز المثقف الذي يجب أن يتحلى بتفكير نقدي في قراءة وتوصيف الواقع بعيداً عن الأيديولوجية، وهذا يفترض وجود الحرية والديمقراطيّة واحترام تعدد الآراء ووجود الاختلافات واعتبارها أمراً طبيعياً، فالظاهرة الاستبدادية ظاهرة عبثيّة على كل المستويات لأنها تفترض التطابق بين كل البشر، وهذا ينمي عن عدم إدراك أن وجود الاختلاف هو الحقيقة الأساسيّة في الوجود" وحين عرّف النهار أن المثقف هو "المهموم بالشأن العام" فهو يقصد أنّه لا يمكن قبول مثقف تفكيره ليس عمومياً ووطنياً، فالمثقف "يجب أن لا يعبّر عن دين وطائفة أو إيديولوجية تتناقض مع ما هو عام.. ومن مهام المثقف أن يكون أيضاً شعبوياً وأميناً على الحقيقة ولا يقدّم آراء بقصد التصفيق، أو أن تكون له حظوة، أو يردد ما يردّده الجمهور، فتفكيره يجب أن يكون نقدياً حتى لو اصطدم الناس بآرائه"

كما تحدّث النهار عن دور المثقف في إعادة بناء التاريخ السوري لإعادة بناء الأفراد والمجتمع على أسس وطنيّة وبناء روح الوطنيّة الثقافيّة، أي إعادة بناء ثقافة وطنيّة مشتركة، فكل التنوع الذي يحتفى به في سورية لا قيمة له في حال لم تنتج هذه الثقافة، مع اعترافه في الوقت ذاته أنه يجب ألّا نضخّم دوره، فهو يساهم في التوعية والحوار وتلاقح الأفكار مع الآخرين، فالبلد لا ينهض إلا بكل ما فيه، أما العلاقة بين الثقافة والسياسة فهي برأيه "علاقة تجاذب وتنافر كانت دائماً عبر التاريخ، ويجب أن تبنى هذه العلاقة على أسس صحيحة ديمقراطيّة، والسياسة التي لا تستند إلى ثقافة لا تبني بلداً".

وبتعريفه للدولة يقول نهار: "الدولة بتعريفها البنّاء هي الكائن السياسي والقانوني والاعتباري، وهي فوق السلطات والطوائف والأديان والأيديولوجيا، وهي تتجسد من خلال الجيش والقضاء والدستور الذي هو التعبير القانوني عن وجود الدولة التي يجب أن لا تكتسي بأي ملمح أيديولوجي أو ديني لأنها فوق الجميع، حيث الدولة لا تصبح دولة إلا إذا كانت ذات طابع عمومي وحيادي ووطني".

ويفرّق النهار بين السلطة والدولة قائلاً: "لم تكن لدينا دولة بل كانت لدينا سلطة.. الدولة مفهوم قائم بذاته، ويجب التحاور حوله لنعرف ماذا نريد, وأهم شيء لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كفضاء عام لكل المواطنين أن تُبنى على المشترك ما بين السوريين وليس على الأيديولوجيا أو الدين أو الطائفة، فالدولة هي الحكم والجهاز الوظيفي الحيادي، ونحن اليوم بحاجة إلى إعادة بناء الخطاب الوطني الحاضن لكل السوريّين لأننا نعيش لحظة استثنائيّة ننتقل من عهد إلى عهد ومن نمط إلى نمط، متخمين بالتساؤلات والآراء والرغبة في المساهمة كمثقفين في الحوار الوطني المنظّم لإنتاج الأسئلة والأجوبة للشعور بأننا أعضاء في هذه الدولة التي تبنى عن طريق التعليم والثقافة، ودور المثقفين كبير في إنتاج الهوية الوطنيّة السوريّة المبنيّة على ما هو مشترك، إلى جانب الدور الهامّ الذي تلعبه الأحزاب السياسيّة ومنظمات المجتمع المدني التي تضم مثقفين وأفراداً من جميع الانتماءات بصرف النظر عن الانتماءات العشائريّة والطائفيّة في إعادة بناء الهوية الوطنية السورية".

وما بين دور المثقف وبناء الدولة والهوية خلص المحاورون إلى أنه لا يوجد مثقف قبل بناء الدولة، ولا يوجد هوية قبل أن يُعلَن عن وجودها، وإن ما كان لدينا سلطة وليس دولة وإننا اليوم بأشد الحاجة لأن يفكّر المثقفون كيف يمكن أن يساهموا في بناء الدولة، وهذا هو دور المثقف السوري الذي يجب ألّا ينتظر من الآخرين أن يقوموا بحل مشكلاته، وبالتالي فإن مهمة كبيرة تقع على الاتّحاد لأن المثقفين الفرنسيين هم الّذين صنعوا الثورة الفرنسية دون أن يحملوا السّلاح، وسورية غنية بشعبها ومفكّريها في الوقت الحاضر وفي المستقبل، وهم يحتاجون لبعضهم اليوم لبناء سورية.