"للقندريس البري" مجموعة قصصية جديدة للكاتب السوري محمد باقي محمد
أوس أسعد
ياسيدي.. مازال السرد القصصي في سوريا بخير رغم كل شيء.. هذا ماتنبئ به سرديات القاص الأديب "محمد باقي محمد" في مجموعته القصصية الجديدة الصادرة حديثا عن الهيئة السورية للكتاب.. والتي تتوزع على قفلات عديدة ومواضيع معيشية وهواجس إنسانية وتراثية عديدة، فهي تمتح مادتها من الأسطورة كما البيئة التي ولد فيها الكاتب بخليط من العادات والأعراف العشائرية والقيم الموروثة في بيئة بطرياركية مشرقية تتشابه فيها ثقافة الريف مع المدينة.. والصحراء مع البحر والداخل مع الاطراف.. مع فروقات وتباينات نسبية اكيدة.. لكنها كلها تصب في صالح الثقافة الذكورية التاريخية التي تلقي بظلالها على الجميع.. وما يميز القص لدى الكاتب إلى جانب البعد الثقافي المعرفي والسياسي والاجتماعي الذي يحمله في طياته هو ذاك اللعب الأسلوبي والشاعري واللغوي حيث يضيف مفردات لغوية اشتقاقية عربية أدبية ليست متداولة كما يكثف مفرداته بجمل بلاغية متقشفة لصالح الاختزال كحالة ضدية للحشو مايفسح المجال لمخيلة القارئ ان تضيف إسقاطاتها على المقروء القابل لاجتهادات مختلفة الاحتمال والمجاز.. كما ان المشهديات البصرية التي تقدمها المجموعة تقربها من روح المسرح حيث تبدو الشخصيات متشكلة كأنها على منصة.. وتقوم بدورها البصري امام متفرج وليس فقط أمام قارئ.
تحية للكاتب الصديق بمنجزه الجديد..وهذه بعض المقبوسات من المجموعة القصصية:

- لقد أعدوا للمناسبة عصيا وسياطا بقياسات وأحجام مختلفة وسط صخب احتفالي لافت، السجن كان قد مسخ إنسانيتهم، فراحوا يستمرئون تعذيب المساجين كما لو كانوا يحرزون إنجازا شخصيا، دون ان يتبينوا فداحة الخسران الذي حاق بنفوسهم! ولقياسات هذه العصي حكاية مضحكة مبكية، ذلك ان السجين إذا استغاث بالله، حضرت عصا غليظة تناسب مقام الآلهة، اما إذا استجار بالأنبياء عمدوا إلى عصي من قياسات اخرى أصغر قليلا!
- انتم لا تعرفون شيئا عن حياة التخفي ايضا! كأن تختفي المصادفة من حياتكم مثلا، وان يتحول توقع الأسوأ إلى قاعدة او يكاد، او ان تفسر ان عينين تمران بصفحة وجوهكم على انهما تعودان لأحدهم، او أن تروا في اي وجه يطالع الشرفة بانه يضمر مراقبة من زوار الفجر... وانها جاءت لتلقي القبص عليكم، ان تكونوا على اهبة الاستعداد للزيغ، او لأن تغوروا في باطن الأرص، دعوا عنكم الحنين إلى الاهل والأصدقاء، او الوقوف ببلدة ترك كل ركن او سكة ذكر لها في قلوبكم، فكيف إذا عرف احدكم بان امه توشك على الرحيل!
- اي كلام يمكن ان يساق في مقام كهذا؟! على هذا طأطؤا رؤوسهم، وتناؤوا على تعثر وخجل، كصورة سينمائية أبطئت حركتها، هل تمنوا ان تغور بهم الارض حين قرؤوا الكلمات على ظهر الصورة!؟ كانت ابنة سليم قد كتبت لأبيها: "ابتي... لقد اشتقت إليك كثيرا" ووثقت كلماتها في الأسفل بـ"ابنتك المحبة بثينة".
- صرخ سياميند بلوعة، فردت الشعاب والأودية صدى صرخته..ليتعلق الشابان اللذان احبا بعضهما حد الموت، او اكثر على جذعين ناميين وسط جرف عال، ونظر إليها بحزن.. ولكن لماذا ياخجي... لماذا؟! حتى إذا التقت أصابع يدين مرتعشتين بعد لأي، تلون الجرف كله بلون شقائق النعمان، فيما تخلله ليلك حيي ومنكس!
- في برهة لاتفهم إلا في سياقها، انهار جاثيا امام الباب الخشبي القديم، وأنشأت عيناه تدبجان نشيجا حارقا، فيما رهن سكون غير مألوف المكان لسطوته، ثم اسلم نفسه لذهول جلي، لكنه فوجئ بيد حانية تربت على كتفه قبيل الغروب، ولما رفع رأسه الفى قريبة لهم تتودد أليه، لم يكن ثمة مفردات تقارب حالته ففاءت اللغة إلى الصمت، ذلك ان حزنا يند عن الوصف داهمه، غير ان التعبير عنه استغلق على مداركه المحدودة، واستولى عليه قلق مبهم، ناهيك عن الاستغراب أو الدهشة او اللايسمى من الأحاسيس المتباينة، مشفوعة بالاستنكار، حتى إذا فتحت المراة ذراعيها، سارع إلى عبها، وهو لايزال يبكي...
- ياللذكريات حين تتوالى متراصفة كخطوط الكتابة، إذ ان الحصاد تصادف بموسم السفاد، فانشأ الكلب يعوي ثانية، لكن نباحه هذه المرة كان مختلفا، وراح يركض هنا وهناك، باحثا عن انثى، ثم انه وقع على كلبة محاطة بثلة من الكلاب، كان كل واحد منهم يتمناها لنفسه، إلا ان الكلب ملوح هجم عليهم، ليستاثر بتلك الانثى، ويعتليها، ولوهلة بدا كمن يحلم بذرية، فداخلته النشوة حين تخيل جراء ينتمون إليه بنسب البنوة، لقد اتحد بالكلبة على نحو حميم، ما رهن الكلاب الأخرى لخانة الإحساس بالإهانة، ناهيك عن شبق لايحتمل، كانت الفرصة قد سنحت لهم للانتقام، فعمدوا إلى الهجوم عليه، مستغلين اشتراط مابعد السفاد من التحام بالكلبة لاينفك، لهذا تمكنوا من حفر جراحات عميقة في مختلف اعضاء جسمه، مدفوعين بالعداء والحسد، فنأى بنفسه، ليقف بساقيه على وهن، فيما كانت جراحه تضغط، بيد انه لم يتفكر بالثأر لنفسه، ثم كيف له ان يلحق بهم بعد ان تفرقوا هنا او هناك؟! وصرخ احمد: ملوووووح اين انت؟!
ولما سمع الكلب نداءه، أصدر صوتا هزيلا يتشبه بالنحيب او بالرجاء، فركض الطفل نحو مصدر الصوت، ليفاجأ بحال الحيوان... ملوح.. ياألله... ولكن كيف ومن ولماذا؟! تعال.. تعال!
ورفع الكلب عينيه بأسى لايفهم إلا في سياقه، فرمى إليه بشيء من فتات الخبز، لكنه عاف الطعام، وادرك بانه تاخر عن الحيوان كثيرا، ذلك ان الآخر غمغم بصوت واه، فهل كان يرمي إلى ان يهمس للطفل بمواجعه، ولما استعصى عليه الشرح، أغمض عينيه، ثم أسلم الروح.