الحمصي النبيل.. فرحان بلبل 1 من 2
تداعيات..
نجم الدين سمان
أتذكر تماماً.. أول مرة التقيت به، كان هذا في مهرجان المسرح العمالي الثالث في دمشق 1977.
دخلنا الى الصالة الخارجية لمسرح اتحاد العمال.. وفيها بدا عرض مسرحيته: الممثلون يتراشقون الحجارة، ودخلنا صالة المسرح مع الممثلين وهم يتراشقون بكلمات الحوار المسرحي الرشيق الذي كتبه
في اليوم التالي لعرض فرقة عمال حمص التي أسسها فرحان بلبل، كان علينا أن نجري بروفة لنصي المسرحي: ميم يبحث عن مدينة، التي قدمته فرقة عمال إدلب قبل عام في مدينتي، وانا ابن السادسة عشر من عمري، قرأت في عيون أعضاء الفرقة تساؤلاتهم: كيف سنقدم مسرحيتنا بعد هذا العرض المتميز لفرقة عمال حمص؟!، قلت لهم: فرقة عمال حمص أقدم فرق المسرح العمالي، وكاتبها ومخرجها معروف، ونحن.. فرقة هاوية، وهذا نحن، وسنقدم ما تدربنا عليه.
حين انتهى عرضنا واصطف أعضاء فرقتنا لتحية الجمهور، دعاني المخرج باسمي للتحية معهم، مشيراً إلي: وهذا كاتب النص فلان بن علان، صعدت درجتين الى المنصة وعيناي ترمقان فرحان بلبل في الصف الأول بجانب لجنة التحكيم.
لا أنسى على الإطلاق في النقاش الذي دار صباح اليوم التالي كيف احتفى فرحان بلبل خلال نقاشه بشاب قادم من مدينة منسية يكتب لأول مرة نصا متماسكاً كما قال آنذاك، فأجبته بأن كثيرين لا يعرفون بان الحركة الثقافية الفنية قد بدات مع تأسيس "نادي إدلب الأدبي" عام ١٩١٩ وأن أول عمل مسرحي فيها قدم منتصف الثلاثينات، وفيها وفي كفر تخاريم مسقط رأس ابراهيم هنانو.. نشأت فرق مسرحية ونواد فنية متوالية، وأحد مخرجي إدلب الرواد "مروان فنري" قدم العام الماضي العمل المسرحي الأربعين له، ولست سوى رقم بين كتابها: من مواهب كيالي القاص ورئيس أول رابطة للكتاب السوريبن عام 1951، ولأخيه الأشهر حسيب، ولنظمي عبد العزيز ورياض نعسان اغا ورياض سفلو.. الخ.
وبالطبع.. فاز عرض عمال حمص بأغلبية جوائز المهرجان ومنها جائزة أفضل نص مسرحي لفرحان بلبل، لكن لجنة التحكيم أضافت لأول مرة جائزة تشجيعية خاصة لنصي المسرحي، هنأني الأستاذ فرحان قائلا بلهجته الحمصية: لو كنا بحومص.. كنت عزمتك على كوبه. ثم أضاف: تعال.. نحتفل سوية بمائدة عامرة في مطعم اللاتيرنا، رافعاً أي حاجز بيننا، وكأننا صديقان.. التقيا بعد فراق.
ثم كان فرحان بلبل مع د. نبيل حفار في لجنة تحكيم مسابقة النص المسرحي التي أعلن عنها اتحاد العمال ومعهم مقرر اللجنة عبد الكريم عمرين، قرأت النتائج في الجريدة، فاذا بي قد حصلت على الجائزة الوحيدة عن نصي: حكاية تل الحنطة، مع التنويه بنصوص لعادل ابو شنب وجان ألكسان ولؤي عيادة بلا جائزة، فأثار هذا ضغينة اثنين منهم ضد لجنة التحكيم، واثار قرارها زوبعة صحفية آنذاك.
قال لي فرحان بلبل فيما بعد بأن لجنة التحكيم قد وصلتها النصوص بأرقام متسلسلة، وبلا أسماء مؤلفيها، فلما أعلن عبد الكريم عمرين الأسماء لنا.. أدهشتنا المفاجأة، لكننا تمسكنا بقرارنا.
*- مرحلة المسرح الجامعي في حلب
وفيها شاركت بإعادة تأسيس فرقة جامعة حلب المسرحية، التي كان آخر من أخرج لها الصديق خليل الرز، وكنت اعمل في اتحاد الطلبة - مكتب الإعلام والثقافة والفنون، فاقترحت المخرج محمد الدروبي، وشاركنا بمسرحية "سندباد" في أول مهرجان مسرحي جامعي، وكان فرحان بلبل عضو لجنة تحكيم فيه، قلت لأستاذنا فرحان: سنقيم مهرجانا مسرحيا خاصاً بجامعة حلب، وأدعوك مع فرقتك لتكونوا ضبوف شرف فيه، فقال مع ابتسامته الحمصية: بشرط.. تعزمونا على أكلة لحمة بكرز، وكنا قد شكلنا خمس فرق مسرحية في خمس كليات، وفي اللمسات الاخيرة لأفيش المهرجان من تصميم الفنان الراحل محمد أبو صلاح، اتصل فرع حزب البعث في الجامعة برئيسة المكتب الفني طالبا إدراج فرقة همام حوت في المهرجان، وكانت فرقة تهريجية ناشئة تعتمد على انتراكات مسارح الكباريهات، حينها.. اجتمعنا ورفضنا أن يكون التهريج ضمن مهرجاننا، وأخذت أفيش المهرجان فطبعته كما هو، وقمنا بلصقه في كل كليات الجامعة ومعاهدها، قالت لي رئيسة المكتب الفني: هيك عم تحطني بموقف حرج مع الحزب ونقابة المهندسين والمخابرات، انزلقت الكلمة الأخيرة من فمها، فأجبتها: لا نعترف سوى بما اتفقنا عليه، واتصلت بفرحان بلبل من هاتف مكتبها.. فقال: ونحن ننسحب معكم تضامناً، هكذا عزز أستاذنا. موقفنا، فأقمنا المهرجان بدون مشاركة الحوت وسرادينه.
يتبع.. في حلقة ثانية.