مارتن هايدغر في إيران، هابرماز في طهران
علي بدر
كان لقائي الأول مع الثقافة الإيرانية في برلين وليس في طهران، حينما كنا نذهب عصر كل يوم جمعة إلى كافيه كرانزلر وهو مقهى شهير في برلين، افتتح في عام 1834 في شارع أونتر دين لندم في حي متته، والذي أصبح فرعه الغربي في شارع لوتنبرغ رمزاً لبرلين الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. يقال أن صانع حلويات نمساوي اسمه جورج كرانزلر افتتحه بتيراس مشمس وطاولات خارجية على الرصيف وغرفة للمدخنين واشتهر باحتفالات عيد رأس السنة في الفترة النازية التي كان يبثها الراديو الوطني حتى دمرته طائرات الحلفاء في العام 1944. تحول فيما بعد إلى حانة صغيرة فوق متجر بضائع اسمه غاري ويبر.
في كرانزلر التقينا طلاباً من معهد الدراسات الشرقية كان أحدهم وهو الأكثر نباهة وذكاء نصفه ألماني من جهة الوالد ونصفه إيراني من جهة الأم اسمه كارل فنكل ويدرس هذا الشاب ذلك الوقت التاريخ السياسي الإيراني ما بعد الثورة الإسلامية، وبعد دقائق من تعارفنا انخرطنا في نقاش ممتع عن الثقافة الإيرانية، فهو يتكلم بطريقة سريعة جدا كأنه يلقي درسا على طلاب جالسين في الصف ولا يتحرك أي عصب في وجهه، يدخن بشراهة ويشرب البيرة ببطء شديد، وكنت مصغياً له آخر الإصغاء فما يقوله كان جديداً عليّ بالكامل، وكان ممتعاً أيضاً ونادراً.
يقول فنكل أن الثورة الإيرانية لم تحدث عبر أحزاب سياسية إسلامية منظمة، إنما عبر تيارات، وقوى مبعثرة، وأناس عاديين، وقوى أطلق عليها آصف بيات في كتابه "سياسات الشارع" الذي صدر عن دار كولومبيا برس في العام 1997"، بــ"لا حركات اجتماعية". وكانت الإيديولوجية الإسلامية الوحيدة، عبارة عن تيار هايدغري معادي للغرب، صاغه فيلسوف شفاهي، بقي أميناً لتقاليد التراث السقراطي فلم يكتب حرفاً واحداً كي لا يخون أفكاره، هو أحمد فرديد الذي ولد في يزد في العام 1912 وتوفي في العام 1992. صاغ هذا الفيلسوف مصطلحا مؤثراً مستوحى من أفكار الفيلسوف الألماني هايدغر، هو غرب زادكي سرعان ما تلقفه كاتب القصة المعروف جلال آل أحمد ووضعه عنواناً لكتاب صدر في العام 1962.
يقول فنكل أن هذا الكتاب أثر بصورة كاسحة على عموم المثقفين الإيرانيين، بل وأثر على طائفة كبيرة من رجال الدين، حتى قال عنه رضا داوري أردكاني أنه أشبه بتأثير البيان الشيوعي الذي صاغه كارل ماركس وفريدريك انجلز وتأثيره على الانتلجنسيا الألمانية في القرن التاسع عشر. وبالمقابل كان هنالك تيار إصلاحي يستمد أصوله من فلسفة كارل بوبر، يحاول أن يدمج الحقوق بالإيديولوجيا الإسلامية، تحول فيما بعد إلىpost-Islamisme ، المصطلح الذي نحتته حميراء اقتدار وطوره آصف بيات في كتاب صدر بنفس الاسم صدر من جامعة أوكسفورد في العام 2013. أثر هذا التيار هو الآخر على طائفة كبيرة من المثقفين ورجال الدين، فسميوا بالبوبريين، وهكذا انقسمت الانتلجنسيا الثورية بعد العام 1979 بين هايدغريين وبوبريين، وصل الصراع إلى أقصاه في العام 2005 حينما فاز الرئيس أحمدي نجاد مرشح الهايدغريين، على الرئيس محمد خاتمي مرشح البوبريين، في الانتخابات.
ما هي حقيقة هذه القصة بالضبط؟
في خريف العام 2005، في شهر أكتوبر على ما أتذكر، منحتني مؤسسة هاينريش بول الألمانية منحة متواضعة لزيارة العاصمة طهران والكتابة عن الثقافة الإيرانية من خلال لقاءات ميسرة من قبل المؤسسة مع مجموعة من المثقفين الإيرانيين، وقد حظي هذا النوع من الكتابات بشهرة واسعة في الغرب بعد نجاح كتاب ف. س. نايبول "بين المؤمنين – رحلة إسلامية"، وهو مؤلف إشكالي أثار جدلاً واسعاً عند صدوره في العام 1981. الكتاب يصف رحلة قام بها نايبول عبر القارة الآسيوية، للكشف عن الجذور الثقافية للأصولية الإسلامية بعد الثورة الإيرانية، مثل باكستان، ماليزيا، إندونيسيا. وفيها فصل عن إيران، حيث سافر إليها نابيول بعد الثورة مباشرة، وأجرى حواراً مع "آية الله صادق خلخالى " أول مدعي عام بعد الثورة الإسلامية في إيران.
من مطار أتاتورك حملتني الطائرة ومرقت بي من ليل اسطنبول الحالك حتى أطل علي فجر جديد فوق جبال البورز المتعرجة، حيث غمرنا ضباب طهران الأبيض. في المطار كانت معصومة آصفي مديرة المؤسسة بانتظاري. وكانت هذه الأيام هي نهاية حقبة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي حيث النساء يدخن السجائر ويطرحن الإيشاربات عن رؤوسهن. في التاكسي أخذت أتعرف على هذه المدينة الشرقية التي كتب عنها غوبينو كتابه الذائع الصيت "ثلاثة أعوام في بلاد فارس"، كانت الشوارع فسيحة رائعة، متنزهاتها الفخمة ذات الظل البارد وعطر مئات أشجار الصنوبر المغروسة منذ القاجاريين..
عرفت من معصومة آصفي أن هنالك حدثين كبيرين صادفا وصولي، الأول: نهاية حقبة الإصلاحيين برئاسة محمد خاتمي ومجيء المحافظين برئاسة محمود أحمدي نجاد، والثاني: وصول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماز إلى إيران لإلقاء محاضرة في جامعة طهران، وموعدها مساء اليوم ذاته من وصولي إلى العاصمة الإيرانية، وهكذا ذهبنا فعلاً في المساء إلى الجامعة.
لم أر ازدحاماً من البشر على حلقة فكرية مثل هذا الازدحام، مثقفون نساءً ورجالاً، أساتذة وطلاب، معممون وحاسرون، كما أن الحكومة برمتها كانت هناك بجناحيها الإصلاحي والمحافظ، ولحسن الحظ أن مؤسسة هانريش بول هي المنظمة لهذه التظاهرة فكان لي مقعد في المقدمة. فجلست تقريباً مع أركان الحكومة من جهة المحافظين، وللحق أقول أن الحكوميين في إيران يمتازون بالبساطة الشديدة والتواضع يندر أن تجد شبيهه في أي مكان في العالم، فمن الممكن أن يكون محدثك المهذب وزيراً أو سيناتوراً، أو عضواً في مجلس الخبراء، أو في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهي أعلى المؤسسات الحكومية في إيران.
كانت محاضرة هابرماز عن كتاب القبض والبسط في الشريعة لعبد الكريم سروش، وهو الاسم المستعار لحسن حاجي فرج الدباغ، من كبار المثقفين الإيرانيين الدينيين المعاصرين، من مواليد طهران سنة 1945، وكان قد حصل في العام ذاته على جائزة إرازموس للحوار بين الأديان، وهو مفكر البوبريين في إيران بلا منازع، حتى وجدت له مقالة كان قد كتبها بالانكليزية منذ سنوات، بعنوان "فاتني شرب القهوة مع كارل بوبر"، ويتحدث بها عن تعرفه إلى كارل بوبر في لندن في العام 1973، عندما ذهب هناك بعد زواجه مباشرة، وذلك لدراسة الكيمياء وفلسفة العلوم في جامعة لندن وكلية تشيلسي، وقد أخذ موعداً مع الفيلسوف البريطاني لشرب القهوة إلا أنه لطارئ ما قد تأخر ...وبعد أسبوع واحد توفي كارل بوبر.
التقيت بسروش في العام 2008 في لندن، كنا التقينا في مقهى قريب من جامعة أكسفورد حيث أخذ يلقي محاضراته هناك منذ خروجه من إيران وتعطيل مجلته كيان التي انتقد فيها دور رجال الدين في الحكم، كان بلحية وخطها الشيب، وبنظارة طبية كبيرة وله طابع وملابس المثقف الشيعي الذي يرتدي الجاكيت العريض ويرز قميصه الأبيض دون ربطة عنق، الصورة التي عممتها الثورة الإسلامية في إيران على العالم، وكان هادئ الصوت ومبتسما على الدوام، وقد حدثني وهو يشرب قهوته السوداء على الحدث الأكبر في حياته حينما جاء من إيران إلى لندن ومن اجل تحسين لغته الانكليزية بدأ بقراءة كتاب مائة عام من الفلسفة لجون باسمور. فعثر على صفحتين في هذا الكتاب عن كارل بوبر فأعجب بنظريته Falsifiability أي القابلية على الدحض، بشكل كامل.
منذ ذاك الوقت أخذ بالتعرف على أفكار كارل بوبر الأساسية. في البداية اهتم بمداخلاته المنطقية في فلسفة العلوم، أي قبل التعرف على كتبه السياسية ونظريته الاجتماعية، ولا سيما فكرته عن قابلية أية نظرية للدحض، فكل نظرية بالنسبة لبوبر يمكن نقضها بافتراض أساسي، فالادعاء القديم أن جميع البجع لونه أبيض نقض من قبل فيليم دي فلامين الذي اكتشف في استراليا بجعات سوداء، وعد بوبر قابلية الدحض هي الجزء المنطقي وحجر الأساس للمعرفة العلمية، وإن النظريات غير القابلة للتكذيب أو الدحض هي لا علمية وسماها العلم الزائف، والغريب أنه استلهمها من نجار كان قد عمل عنده أيام كان طالباً في الجامعة حسب ما ذكر ذلك في مقابلة له في مجلة السويشيال تكست، العدد الرابع، 1970.
ولكن لما عاد سروش إلى إيران بدأ بالتعرف على نظرية كارل بوبر الاجتماعية والسياسية في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه"، "فقر التاريخانية، و"العالم المفتوح بالضد من الحتمية"، ومن خلالها تعرف على نقده المعروف للمجتمعات الفاشية والستالينية، وما يأخذه عبد الكريم سروش من فلسفة كارل بوبر السياسية هو سؤاله الشهير: لماذا تؤدي الإيديولوجيات التي تعد بخلق جنة على الأرض إلى خلق جهنم على الأرض؟ لقد استخدم الحجج التاريخية والسياسية لشرح كيف حدث ذلك. ففي فكر بوبر إن في السياسة أو في الطب، فإن أي شخص يقدم الكثير من الوعود هو مشعوذ.
تحولت هذه الفكرة فيما بعد إلى رواية بعنوان "جنة رمادية" كتبها "عطا الله مهاجراني" وزير الثقافة في عهد الرئيس محمد خاتمي وهو من البوبريين المعروفين، بعد أن كان نجمهم الحقيقي آية الله مرتضى مطهري الذي اغتيل في العام 1979 من قبل أحد أفراد جماعة الفرقان أو حسب الادعاء بتحريض من أحد الهايدغريين.
عبر سروش عرف المثقفون الإيرانيون نقداً بوبرياً جديداً للماركسية، فكان النقد الموجه للماركسية هو للعلامة الطباطبائي وآية الله مطهري ولكن ليس ضد ماركس مباشرة إنما كان موجهاً لأفكار الدكتور تقي آراني واحد من أكبر المثقفين الماركسيين الذي أسس مجلة "دنيا" في الثلاثينيات وقتل في الأربعينيات في زنزانته. وقد كتب سروش فيما بعد مقالة مهمة هي "كارل بوبر وإيران"، وقد بين فيها أثر فلسفة كارل بوبر السياسية على حركات الإصلاح الإسلامي في إيران، غير أن الدراسة الثرية التي تجمل كل هذه التطورات، كتبها علي بايا ومحمد أمين غانيراد، وهي "الفيلسوف والدولة الثورية: كيف شكلت أفكار كارل بوبر آراء المثقفين الإيرانيين"، التي نشرتها جامعة وارويك، باشراف البرفسور ديفيد مايلر.
*
بالعودة إلى محاضرة هابرماز في جامعة طهران، ما أن صعد الرجل بهدوء وكان يغلب عليه الحذر وهو محاط بمترجميه ومضيفيه الإيرانيين حتى ساد الصمت في القاعة تماماً، وبعد كلمات الترحيب بدأ هابرماز محاضرته المثيرة للجدل، فهو يرى أن عصب فلسفة سروش تكمن في تطور المعرفة الدينية، وذلك بإدراكه أن الأجزاء المختلفة للمعرفة البشرية هي في تعاط مستمر فيما بينها، وإذا ما شهد العلم إبداعاً فإنه يترك تأثيره على علم الفلسفة، وأن تحوّل الفهم الفلسفي يغير فهم الشخص حول الإنسان والكون، وعندما يأخذ الإنسان والكون وجهاً آخر فإن المعرفة الدينية تأخذ معنى جديداً أيضاً.
لقد فجرت هذه المحاضرة نقاشا حادا في وقع الأمر وبالرغم من أن الفيلسوف الألماني الضيف قد احترم جداً وحظي بتقدير عال وعلى أكبر المستويات السياسية والاجتماعية، وهو ما أفرح البوبريين بطبيعة الأمر فهو انتصار لفكرهم ومفكرهم غير أن الهايدغريين الذين فازوا في الانتخابات بمرشحهم محمد احمدي نجاد لم يكونوا مرتاحين أبداً لهذا الإطراء المذهل لسروش، فهو تلميذ بوبر، وفكر بوبر بأصوله معادي للثورة وبالتالي لا يمكن الجمع بين نظرية ثورية كما أنتجتها الثورة الإسلامية وأفكار رخوة وهشة مثل أفكار كارل بوبر، بل وصل الأمر بهجوم شرس للرئيس أحمدي نجاد عليهم، وقد وصفهم بـ"ثلة من الساذجين خدعهم فيلسوف يهودي ومشعوذ مثير للفتن" يقصد به كارل بوبر، وكان والداه يهوديين تحولا إلى المسيحية.
لكن ماذا عن الهايدغرية؟
يعود تاريخ الهايدغرية في إيران إلى الفيلسوف أحمد فرديد الذي ولد في مدينة يزد في العام 1910، وتوفي في طهران في العام 1994، كان والده مزارعاً صغيراً، فأرسله ليدرس في المدارس الإسلامية في يزد، حيث بدأ هناك تعلم اللغة العربية، والفلسفة والرياضيات، وعين له والده في الوقت ذاته مدرساً خاصاً لتعليمه اللغة الفرنسية. درس فرديد الفلسفة في جامعة السوربون في فرنسا، وفي جامعة هالبيرغ في ألمانيا، وهو واحد من الفلاسفة الإيديولوجيين للحكومة الإسلامية في إيران التي وصلت السلطة في العام 1979، إلا أنه لم يكتب كلمة واحدة وفسر هذا القصور بفقر اللغة وتلوثها وهي أفكار وردت عند هايدغر في مقالة له عن هولدرلن.
كان تأثره بالفيلسوف هايدغر قد أثار ضجة كبيرة بين المثقفين لطريقة فهمه الخاص لهذا الفيلسوف الألماني، وتفسيره على ضوء الفلسفة الإسلامية وتأويل أفكاره أيضاً لجعلها متلائمة مع إيديولوجية إسلاموية سياسية واجتماعية. ففرديد الغاضب على الحضارة والثقافة الغربيتين يأخذ مفهومين من هايدغر هما الاستثناء" die Zuteilung" ، و"نسيان الوجود Seinsvergessenhei"، فيفسر فرديد مفهوم الاستثناء عند هايدغر هو استثناء العالم الإسلامي من أي شروط موضوعية تنطبق على الغرب، وبالتالي فهنالك إمكانية من التطور والتحول بمعزل عن آثار الحضارة الغربية، ونسيان الوجود هو التغريب والدخول في عالم الحداثة، ذلك أن تاريخ الوجود هو المراحل التاريخية" للحقيقة المتدهورة، وبالتالي الاغتراب عن الإسلام هو نوع من الانسحاب من الوجود ونسيانه، وكل ما ينتجه الغرب هو عدم، كل حركة تقدمية في التاريخ، كل تقدم للإنسان، كلما اكتسبه التنوير هو في الملاذ الأخير ليس إلا عمل سلبي، أو قناع للعدمية.
ويشن فرديد هجوماً كاسحاً على التقنية باعتبارها الحجاب الأكبر والأصغر لحقيقة الأمس والغد، وحين يسود الحجاب تختفي الحقيقة الإلهية. ويعتقد أنه بسبب الثقافة الغربية فقد غربت الحقيقة الإلهية، واستحال الاسم الإلهي إلى الطاغوت، وأن الله اختفي وراء الإنسان، بمعنى أن الإنسان طغى واستكبر، وأخذ الطاغوت محل الله، فيما رحل الله عن التاريخ، وهذه هي مرحلة غياب الله أو غروب الحقيقة الإلهية.
ثم صاغ مصطلح غرب زادكي Westoxication بمعنى وباء الغرب، أو ضربة شمس الغرب، سرعان ما تلقفه روائي وكاتب قصة معروف هو جلال آل أحمد كان ماركسياً في بداياته ثم تحول بفضل أحمد فرديد ليصبح هايدغرياً، فوضعه ككتاب صدر في العام 1962 أثار هذا الكتاب جدلاً واسعاً في الثقافة الإيرانية، وقد أصبح من بين التعاليم الإيديولوجية الأساسية للحكومة الإسلامية الجديدة في إيران. فالغرب زادكي هو رفض كل ما يأتي من الغرب، رفض حقوق الإنسان معلنًا أنها فكرة غربية، رفض الديمقراطية، والحقوق المدنية، والتسامح، فكل هذه التعبيرات هي من وباء الغرب من غرب زادكي، وغالباً ما كان فرديد يرشد تلاميذه، الذين أصبح كثير منهم فيما بعد مسئولين كباراً في الحكومة الإسلامية في إيران، لتجاهل مثل هذه المفاهيم "السامة الغربية" والعودة بدلاً من ذلك إلى "الذات الشرقية الأصيلة".
*
قبل الثورة الإسلامية بدأ فرديد ينشر أفكاره هذه في برنامج تلفزيوني اسمه غرب وشرق، وكان مدير التلفزيون ذلك الوقت هو رضا قطبي، المهندس المثقف الذي أدار الإذاعة والتلفزيون في زمن الشاه، وهو الذي قرر هذا البرنامج المشاهد في إيران على نطاق واسع، والغرض منه إثارة جدال كبير بين المثقفين حول الأصالة والحداثة، القديم والجديد، الإسلام والديمقراطية، ومن الواضح أن فرديد قد لمع نجمه في تلك الفترة، وحصلت أفكاره على الكثير من الشعبية سواء أكان ذلك من رجال الدين مثل آية الله مصباح يزدي ولد في العام 1934، وهو أشهر فيلسوف شيعي معاصر، او من المثقفين ولا سيما من الماركسيين الذين تحولوا الى إسلاميين مثل المخرج محسن افيني وكاتب القصة المعروف جلال آل أحمد كما قام تلميذه الذي واصل العمل على هذا المفهوم من بعده أستاذ الفلسفة المعروف رضا دواري أردكاني، (غير أن هذا الأخير قد تراجع في السنوات الأخيرة، وقد كتب أن ما عمله خلال الخمسين عاما الماضية قد ذهب هباء).
نقطة الصراع
ولكن كيف بدأ الصراع بين هذين المعسكرين؟
في الواقع بدأ هذا الصراع بعد الثورة مباشرة، حينما شاعت أفكار فرديد بقوة بين الجماهير الثورية، وقد صعدت حماسته هو الآخر، فصرح للصحافة: "أن هايدغر هو الفيلسوف الغربي الوحيد الذي فهم العالم، والفيلسوف الوحيد الذي كانت أفكاره متطابقة مع مبادئ الجمهورية الإسلامية".
وحين قرر خميني إيقاف الدراسة لمدة عامين بعد الثورة كي يعيدوا كتابة المناهج الدراسية وفقا للإيديولوجيا الإسلامية أسس المجلس الأعلى للثورة الثقافية الإسلامية، ليتكون من عدد من المفكرين وعدد من رجال الدين، بشرط أن يكونوا من المؤمنين بالثورة، وهكذا أصبح أحمد فرديد نجم الخمينيين في المجلس بلا منازع، وقد صرح حينها: "أن هايدغر والخميني هما فقط من جعلاه يثبت أفكاره"
وما أن بدأ المجلس بالعمل على تطهير المؤسسة الأكاديمية، حتى سرعان ما تحول إلى ساحة للصراع بين معسكرين، الهايدغريين والبوبريين، وتطور هذا الصراع فيما بعد ليشمل الساحة السياسية، إذا تحول معسكر البوبريين إلى معسكر الإصلاحيين، أو جبهة الثاني من خرداد، وهو تاريخ الفوز الساحق للرئيس محمد خاتمي في انتخابات عام 1997 على آية الله علي اكبر ناطق نوري مرشح الهايدغريين، ويمثل عبد الكريم سروش المفكر الأبرز في هذه الجبهة، بينما بقيت جبهة الهايدغريين منذ الثمانينات وملهمهم آية الله مصباح يزدي الذي ولد في يزد في العام 1934، تحتل الساحة السياسية الرسمية منذ تولي الخميني الحكم وإلى الآن، وأن منهم مير حسين موسوي رئيس الوزراء السابق، وعبدالكريم أردبيلي رجل الأعمال الذي تحول إلى رجل دين، وكلاهما انتهى إلى أفكار إصلاحية، بينما عادت قوتهم مع محمود أحمدي نجاد منذ العام 2005 وحتى اليوم، وهم معنيون بصورة رئيسية بعدم قبول أية صيغة للديمقراطية، بوصفها مناهضة للإسلام ومناهضة للفلسفة، بل أن رضا داوري كتب مرة أن سقراط قتل بسبب معارضته للديمقراطية وأن أفلاطون قبل حكم المختارين الشبيه بحكم الجمهورية الإسلامية.
ما هو تقييم الهايدغرية
كتب الفيلسوف الإيراني داريوش شايغن، مقالة مهمة بالفرنسية بعنوان "هايدغر في إيران"، و يصف بها تلك الأيام التي ظهرت فيها مجموعة من الإسلاميين الهايدغريين المشاهير الذين تأثروا بأحمد فرديد وارتدوا بعد الثورة قناعاً رجعياً ومحافظاً. وذكر أنه التقى فرديد في السبعينيات في منزل حسين جهان بغلو الذي أصبح ذلك الوقت مختبراً حيا لكل الصراعات التي مزقت أرواح المثقفين قبل الثورة. مثل: الصراع بين الحداثة والتقليد، الاستبداد والديمقراطية، والليبرالية والشيوعية. وقال أن فرديد كان يتخذ باستمرار المواقف المتطرفة لمعلم فرايبورغ، مستخدما دون قيود أفكاره، محوراً لمصلحته الشخصية كل مقولاته، ومستنتجا منها خلاصات مفاجئة، يطلقها في السهرة مثل عيارات نارية. وقال أن كل ما يتذكره من تلك الأمسيات، المهتاجة، الممسرحة، هي المناوشات، الاشتباكات اللفظية، والتقلبات الفضائحية التي كان يثيرها فرديد مع الآخرين.
ووصف داريوش شايغان فرديد بأنه "شخص استفزازي بطبيعته، ولكن لا يخلو من ومضات العبقرية، لديه نوع من الفلسفة الشامانية، غير أنه لم يكن قادراً على تنظيم معادلة فكرية واحدة متماسكة، فبالكاد أن يشرع بفكرة، حتى تنبجس أفكار أكثر فأكثر، فينحرف خطابه ليؤدي به إلى أفكار أخرى مخادعة وشريرة وغادرة".
*
بعد عودتي من طهران بعقد تقريباً كنت في برلين مرة أخرى مدعوا إلى مهرجان سينمائي عن الشرق الأوسط، اشترك به العديد من المخرجين والمثقفين القادمين من جميع أنحاء العالم، وقد حضره العديد من صناع السينما الإيرانيين من مخرجين وكتاب وممثلين ومن العراق كنت أنا والمخرج العراقي السويسري سمير جمال الدين الذي أخرج فيلم "انس بغداد" و"الأوديسة العراقية"، وفي يوم لم أذهب إلى المهرجان كنت على موعد مع الممثلة الإيرانية ياسمين طباطبائي التي مثلت فيلم "أطفال في الطريق المفتوح" و"لا مكان للذهاب إليه" الذي اخرجه المخرج الألماني اوسكار روهلر، وكان ذلك بعد طلاقها من الموسيقى الأميركي نيكي زامورا وارتباطها بالممثل الألماني اندرياس بيتشمان، ومن ياسمين طباطبائي سمعت بالرسالة التي أرسلها أرامش دوستدار وهو فيلسوف وعالم اجتماع إيراني يعيش في الغرب إلى هابرماز. في هذه الرسالة يتهم دوستدار هابرماز بأنه خدع من قبل الإيرانيين بالفكر والفلسفة والتبجيل غير المبرر للإسلام. كما حذر دوستدار هابرماز من الخطورة والخطر الذي يشكله الإسلام على أوروبا. كما اتهم زملاءه من الفلاسفة الإيرانيين بالضحالة والسقوط واتهم بلاده بالتهدم الفكري والانهيار. مما حدا بالعديد من المفكرين الإيرانيين الرد عليه، وقد فضل البعض ببعث رسائل إلى هابرماز، ومنها الرسالة التي أرسلها ثلاثة مفكرين معروفين في الغرب هم حميد دباشي أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا وأحمد صدري أستاذ علم الاجتماع ورئيس كرسي جيمس بي غورتر لدراسات العالم الإسلامي، كلية ليك فورست، في شيكاغو، ومحمود صدري ، أستاذ علم الاجتماع بجامعة تكساس، وقد قالوا في الرسالة المكتوبة بالألمانية مباشرة بعد أن حصلت منها على نسخة ذلك الوقت من جينا بيرمان واحدة من مساعدات هابرماز أيام كان يعمل في جامعة فرانكفورت، يقولون فيها "إنه لأمر محزن أن نرى مفكراً مريراً وخاسراً لا يحمل ذرة أمل أو فرح ليس لإيران والإيرانيين فقط ولكن للبشرية ككل. نأمل ألا تأخذ برسالته كعلامة على حالة الخيال الأخلاقي والفكري في وطننا. فمن الواضح من هجماته وإعمال الفأس في تراثنا والأحكام الأساسية الغامضة في رسالته أن السيد دوستدار الزميل غريب الأطوار، يحمل أفكاراً ضحلة ومضحكة في كثير من الأحيان حول الإسلام والمسلمين وإيران والإيرانيين والدين والحداثة".
قبل عامين كنت في مقهى كرانزلر، كان الليل قد هبط سريعاً وأخذت ندف الثلج تتساقط على الأرصفة وعلى البنايات وعلى الشجر المكشوف أمامي من النافذة، بينما أخذ آخر السابلة الترام الذي اختفى في هذا الليل الشتائي البهيم ولم يبد منه غير مصباح احمر صغير أحاول أن أتبينه بين الظلام والضباب وندف الثلج، شيء أشبه بالحقيقة التي كنت أبحث عنها.