د. ثائر عودة الكتابة بعد "طوفان الأقصى" ليست كما كانت قبله
2025.10.19
أمينة عباس- فينكس
يعد السابع من أكتوبر 2023، نقطة تحوّل فعليّة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ليس على المستوى العسكري فقط، بل على المستوى الرمزي والثقافي والإعلامي، لان “طوفان الأقصى لم يكن حدثًا عابرًا بل واقعة أفرزت تداعيات كبيرة في الوعي الشعبي والخطاب العربي والإسلامي، وفي موازين القوى السياسية والإعلامية وحتى الثقافية لذلك لم تكن الكتابة الإبداعية بمنأى عن هذه التحولات؛ فقد تغيّرت مرجعياتها وأدواتها، وأهدافها، وحتى نمطها اللغويّ والتعبيريّ. وهو ما تناوله د. ثائر عودة بمحاضرته التي القاها مؤخرا في المركز الثقافي العربي~ الميدان-.
التحوّلات في الكتابة الإبداعية
وعن أبرز التحوّلات التي رصدتها المصادر، مع تحليل لما تعنيه أشار عودة في محاضرته الى ان الروايات والقصص والنصوص الأدبية أصبحت تركز بشكل واضح على موضوعات محددة: المقاومة، الصمود، الانتهاكات، التضحيات، الحصار، العدوان. وهذا برأيه يعبّر عن رغبة في توثيق الحدث، في جعل الأدب “شاهدًا حيًا”: "أي أن الأدب لا يُكتب من فراغ، بل من مشاركة وجدانية بالمأساة. وهذا يوحّد الموضوع، ويضيق الهوامش الإبداعية من حيث الموضوعات، لكنه يوسعها من حيث التفاصيل واللغة العاطفية والتوثيق الواقعي".. أما على صعيد اللغة والأسلوب فقد استخدمت اللغة العاطفية الشديدة و الصور الرمزية و الاستعارات القوية، والبوح، والشعرية التي تمزج الحزن بالأمل ولكن مع ذلك حاولت النصوص حسب عودة الحفاظ على وضوح الرسالة في ان الحقّ، الصمود، الكرامة هي مركز أي سرد الى جانب الميل إلى الواقعية الموصوفة بكل تفاصيلها، و تصوير للموت والمعاناة من مسافة قريبة جدًا.
سرد أكثر إثراءً
ولان الأدب لا يأتي فقط من الوعاء الرسمي أو الأقلام الكبيرة، بل من كل من عاين و عاش و تألم توقف عودة عند شهادات يوميات الحرب والنصوص الفردية التي كتبت من داخل غزة ومن المنفى، و من الإعلام البديل، وو وسائل التواصل الاجتماعي وراى ان هذا التنوع خلق سردًا أكثر إثراءً: "الكتابة أصبح لها دور “توثيقيّ”: حفظ الأحداث، شهادات الناجين، يوميات تحت القصف، يكتبها أهل غزة وغيرهم حتى لا يُمحى ما وقع، وأن تبقى الصورة واضحة أمام الأجيال القادمة، فيصبح الأدب وسيلة مقاومة نفسية وثقافية وهي التزام أخلاقي وفعل مقاوم فالكتابة هنا ليست تجميلًا أو ترفًابل موقفا تجعل من الكلمة بندقية في عصر المنصّات الجديدة ووسائل التواصل والكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي بكل اشكاله وادواته والتي اتاحت سرعة الانتشارو خلق جمهور فوري لهذه الكتابات التي كتبت تحت القصف والصدمة النفسية والخوف والتوتر والمراقبة وفقدان المقومات المادية للكتابة (مكان آمن، أدوات، هدوء) مع تحدي تقديم نصّ يكون جذابًا ومعبرًا، دون أن يفرّط في الحقيقة أو يختزلها".
ما الذي تغيّر منذ ما قبل طوفان الأقصى
لكي ندرك عمق التحوّل، كان من الضروري بالنسبة لعودة اجراء مقارنة بما كانت عليه الكتابة الإبداعيّة قبل هذا الحدث موضحاً ان الكتابة عن المقاوِمة موجودة دائمًا في الأدب العربي والفلسطيني، لكنها غالبًا ما تُوضع في إطار شعبي أو وطني أو تاريخي بعيد، أو تتداخل مع السياسة، لكن ليس بنفس الدرجة من التفاصيل المباشرة والصورة العاطفية الحيّة، كما حدث في غزة، أما المنصّات الرقمية والتي وان كانت موجودة، إلا ان “الشارع الرقمي” أصبح جزءًا فعّالًا من العملية الإبداعية؛ فالمبدع لا ينشئ النص فقط، بل يرى كيف يُستقبل، و يُقاطَع، و يُعاد نشره أو تحويره لقارئ تغيّر فلم يعد قارئًا سلبيًّا بل مشاركًا، متفاعلاً، ناقلًا ومعدّلاً للنص، يطلب “الأصالة” والصدق،و يُربط بين ما يُقرأ وما يُشاهَد وما يُعاش.
الآثار المحتملة والمستقبلية
ولكن ماذا عن الآثار المحتملة والمستقبلية لما حدث؟ هنا بين عودة ان الأدب سيلعب دورًا أساسيًا في حفظ صورة ما حدث، و في بناء سردية تاريخية معاكسة للسرديات التي قد تُعيد صياغة الحقائق أو تنفيها أو تُقلّل منها/ إلى جانب ولادة نوع أدبي مختلط / هجين: مزيج بين الشعر والوثيقة واليوميات والمقالة والنصوص القصيرة، وقد تحولت اللغة العربية في بعض النصوص إلى سلاح ثقافي، تستعيد مفردات مثل “الكرامة”، “الحقّ”، “المقاومة”، “الشهادة”، “التضامن” بصخب واضح، ومن دون إنكاره الجليّ في التحوّلات، حذر عودة من بعض المآخذ والإشكالات التي يُفترض الانتباه إليها وهي خطر: الانفعالية المفرطة في بعض النصوص دون تقديم رؤى تأملية أو نقدية توازن بين العاطفة والمعنى، والخوف من ان تُقدّم الرسالة أو الهدف الأخلاقي والسياسي على حساب البناء الفني أو اللغة فيصير النص أقرب إلى البيان أو النص الصحفي أو الإعلان، وكذلك الاستسهال في التقليد وإعادة إنتاج الصور نفسها (الدمّ، الأشلاء، البكاء، الصمت...)، مما قد يجعل كثيرًا من النصوص تبدو مكرّرة أو ذات صيغة متشابهة، إلى جانب اضطرار بعض الكتاب للتعديل في نصوصهم خوفًا من تعرضهم للتهديد أو الملاحقة مع اشارة عودة كذلك الى تفاوت الصوت والمكانة فالأصوات ذات الإمكانيات المادية، أو التي تملك منصات قوية، أو التي تتكلم من أماكن خارج الخطر، تكون أكثر وصولًا وانتشارًا من النصوص التي تُكتب من داخل المواجهة مباشرة، أو من داخل غزة مثلا، حيث الظروف أصعب.
شهادة حيّة
وعلى صعيد الشعر راى عودة عودة القصيدة المقاومة بروح جديدة، فلم يعد الشعر في زمن الطوفان يكتفي بالرمز، بل أصبح شهادة حيّة تكتب بلغة صريحة، نازفة، لكنها تُنتج من الألم قصيدة-وثيقة لا استعارات بعيدة ولا فخامة لغوية، بل صدقٌ مباشر يجعل النص شهادة وجدانية وإنسانية في حين انتشرت ايضا قصائد "الميكروفون المفتوح" في غزة نُقلت كلماتها وسط القصف ليتحول الشعر إلى فعل بقاء فالقصيدة تخرج من فمٍ يرتجف، في لحظة حقيقية، لا زمن للفن بمعناه الجمالي بل للوجود ذاته وهذا ينطبق ايضا على القصة القصيرة التي تحوّلت إلى شهادة يومية، بلا حبكة تقليدية أو عقدة وانفراج لتكون كتابة توثيقية جمالية، تجمع بين التفصيل المعيش وإيماءة الذاكرة عبر نصوص قصصية مكتوبة على شاشات هواتف تُهددها البطارية المنخفضة والقصف.
الكتابة عملًا جنائزيًا مقدسًا
ونوه د. عودة في محاضرته ان الكتابة اليومية صارت شكلًا من أشكال الأدب الإنساني؛ لم تعد توثيقًا طبّيًا أو إداريًا، بل نصًّا إبداعيًا ضمنيًا، يعبّر عن المأساة من داخلها وهي كتابة هجينة بين السيرة واليوميات والمشهد المسرحي بحيث لم تعد الكتابة ترفًا فكريًا بل عملًا جنائزيًا مقدسًا يحفظ الغائبين من النسيان عبر اشكال كثيرة كالكتابة الرقمية التي اصبحت أدبًا جماعيًا، يتشارك فيه الكاتب والمصوّر والمعلّق والمتابع الامر الذي يمثل تجلّيًا كاملًا لتحول الأدب في زمن الحرب حيث لم تعد فيه الرواية “تخترع” الأحداث، بل تستعيدها من الذاكرة الجمعية، وتحوّل تجربة الفقد إلى تجريب لغوي وفكري.. وختم عودة محاضرته قائلاً: "الكتابة بعد "طوفان الأقصى" ليست كما كانت قبله لا من حيث الشكل، ولا من حيث المضمون، ولا من حيث موقع الكاتب من التجربة ذاتها".