عبد الغني العطري شيخ الصحفيين السوريين بين الأدب والصحافة
أمينة عباس- فينكس
استعاد المنتدى الاجتماعي في دمشق سيرة عبد الغني العطري: بين عبقرية الأدب وعبقرية الصحافة كأحد الرواد الأوائل في الصحافة والأدب، وذلك من خلال المحاضرة التي ألقاها مساء أمس الباحث والقاص أ. مازن ستوت، الذي اعتاد في معظم محاضراته إلقاء الضوء على سيرة شخصيات دمشقية كان لها أثر كبير في حياتنا الثقافية والأدبية، مبيناً في محاضرته أن العطري من الجيل الثالث، أحد رواد النهضة الأدبية والصحفية العربية الحديثة، وقد حمل لقب "أديب الصحفيين" و"صحفي الأدباء" و"شيخ الصحافة السورية" نظراً لعطائه الطويل ودوره في تطوير الصحافة السورية وتأسيسه لأكثر من مجلة وجريدة، أهمها مجلة "الصباح" التي أصدرها عام 1941، والتي استقطبت أسماء كبيرة مثل نزار قباني وعبد السلام العجيلي وبديع حقي ومحمود تيمور وعدنان مردم بيك وشفيق جبري، وغدت خلال فترة قصيرة منارة إشعاع أدبي. ولأسباب تتعلق بامتيازها، تركها العطري لتنهار بعده وتتوقف عن الصدور، إلى أن بحث عن امتياز آخر أهله لإصدار مجلة أسبوعية سماها "الدنيا"، وأصدر العدد الأول في عام 1945، التي سرعان ما حققت نجاحاً عربياً: "كانت مجلة أدبية اجتماعية وفنية تميزت بأسلوبها الساخر والنقدي، مستقطبة المبدعين.. لم تكن مجرد مجلة بل مدرسة صحفية تخرج منها العديد من الصحفيين، وكانت فتحاً في الصحافة السورية، حيث استطاع أن يُدخل عليها الطباعة الملونة والمادة الطريفة والإخراج الجديد، كما أدخل عليها أبواباً جديدة لم تكن معروفة في صحافتنا، اقتُبس بعضُها من المجلات الفرنسية، وبعضها ابتكره وطوّره، وكانت تصل إلى كل مدينة وقرية سورية، وتوزع في العراق والأردن وبعض البلاد الأوروبية، وأتاحت له فرصاً للقاء كبار السياسيين، فكان من المقربين لشكري القوتلي وفارس الخوري وخالد العظم رغم النقد الذي كانت تحفل به". ونوه ستوت إلى أن المجلة تعرضت لسلسلة من التوقفات، أولها أيام الوحدة مع مصر، لتعود مرة ثانية بعد الانفصال، ولتتوقف ثانية بسبب انقلاب عام 1963: "وبعد توقف دام 40 عاماً، وبعد صدور قانون يسمح بإصدار الصحف الخاصة عام 2001، بدأ العطري وقد تجاوز الثمانين بالتحضير لإعادة إصدارها، إلى أن المنية وافته عام 2003 قبل أن ترى النور على يديه".
العطري الأديب

في القسم الثاني من المحاضرة، تناول المحاضر عطاء العطري الأدبي، وهو الذي ألف مجموعة من الكتب خلال مشوار حياته، مثل "أدبنا الضاحك" جمع فيه نوادر وطرائف وأبحاثاً له صلة بالضحك، وقد حقق هذا الكتاب نجاحاً كبيراً، ألحقه بكتاب آخر حمل عنوان "دفاعاً عن الضحك" الذي صدر عام 1993، تحدث فيه عن أسرار الضحك وأسبابه وكذلك عن البكاء من الوجهة العلمية، كما تناول فيه موضوع المرأة بين الأنصار والأعداء، وعن ظرفاء دمشق وأصحاب النكتة.
وفي عام 1997 أصدر مجموعته القصصية "قلب ونار" في بيروت، وضمت خمس قصص له وثمانية قصص قام بترجمتها، ثم تابع إصدار عدة كتب وثقت لأعلام عديدين، مثل كتبه: "عبقريات شامية"، و"عبقريات من بلادي"، و"أعلام ومبدعون"، و"حديث العبقريات"، و"بخلاء معاصرون". كما توقف ستوت عند كتاب العطري الذي يلخص سيرته الذاتية "اعترافات شامي عتيق" الذي صدر عام 1998: "يتناول محطات من حياته الشخصية وتجربته في الصحافة مع صور موثقة للحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في دمشق القديمة، متناوباً أحياءها وعاداتها وشخصياتها وأدواتها، وهو الذي كان متيماً بها، مؤمناً بتراثها، وفيّاً لأعلامها ورجالاتها".
وكشف ستوت في سرده لعدد من مقولات العطري عن تأثره الكبير بالرئيس شكري القوتلي وأمه التي كان يصفها بأنها أفضل من بعض الرجال وأكثر ذكاءً وبعد نظر، وقد كانت كلماتها دليله ومرشده في الحياة، ومقولات أخرى بينت موقفه من المرأة منها: "المرأة رحانة الدنيا وسر جمالها، ولولاها لكانت الدنيا ظلاماً وكآبة". كما تناول مقولات كتبت عنه تلخص عبقريته وإبداعه وريادته في الصحافة، حيث يقول الدكتور الباحث غسان كلاس: "هو من أثرى الفكر العربي والثقافة العربية".
وختم ستوت المحاضرة بالحديث عن الجانب الوجداني لعبد الغني العطري، الذي تشارك في الحديث عنه ابناه المحامي بسام والدكتور سامر المعروف في الوسط الثقافي والأكاديمي الذي قدم للمحاضر وأدار دفة النقاش والحوار، وقد أجمعا على تواضعه ورهافة حسه: "كان نقياً مثل نبع متدفق من صخر".. في حين رأت الدكتورة سحرسعيد مديرة المنتدى في تصريحها لـ"فينكس" أن عبد الغني العطري من الشخصيات التي نفتخر بما قدمته وأسست له في مجال الصحافة والأدب، وهو إلى جانب شخصيات كثيرة تؤكد أن سوريا زاخرة بالمبدعين، وواجبنا تسليط الضوء عليهم لأنهم خير قدوة تحتذي بها الأجيال الحالية.
شغف مبكر
وُلِد عبد الغني العطري في حي ساروجة بدمشق عام 1919، وكان والده في طليعة تجار دمشق. وفي الخامسة من عمره انتقل من الكتّاب إلى الكلية العلمية الوطنية في حي البزورية، حيث تابع فيها دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتخرج فيها بتاريخ 30 حزيران 1941، وكانت صرحاً شامخاً للعلم. وكان أساتذة كليته نخبة من رجال العلم والأدب مثل خليل مردم بيك، سليم الزركلي، بدوي الديراني، حلمي حباب، بهجت البيطار. وعُرف عن العطري أنه كان يتردد على المكتبة الظاهرية، وكان شغوفاً بشراء الصحف والمجلات العربية والفرنسية التي كان يتقنها. وحينما أنهى دراسته الثانوية بتفوق، كان اسمه يتردد في الصحف والمجلات الكبرى ومقالاته تنشر إلى جانب أعلام الأدب والصحافة، التي ولع وانشغل بها عن متابعة دراسته الجامعية.