وديع اسمندر.. حكاية وجع وفقدان
2026.05.19
عزيزة المبارك
وديع اسمندر المعتقل السياسي رقم (٣٣)، روائي سوري عاش مغموراً مغبون الحقوق الأدبية لأنه كان معتقلاً سياسياً. ولد في قرية الزيادية في ريف جبلة عام ١٩٤٦)، أعتقل في السبعينيات سياسياً لمدة سبع سنوات (١٩٨٠-١٩٨٧)، كانت القنوات تخشى تسليط الضوء على مؤلفاته الأدبية بسبب ذلك.
توفي عام ٢٠١٦) بعد معاناة مع المرض مغموراً لكن ليس خائفاً.
قرأت له خاطرة أثرت في وجداني وأحببت أن أضيء على بديع ماكتب هذا الرائع المظلوم أدبياً، فقط لأنه اعتقل ذات يوم.
الخاطرة:
(أنا أدري أنكم ستمزقون جسدي، لكن جثتي ستظل على صمتها. ولن ترى خناجركم في قلبي غير الأحقاد التي لم أجرؤ على البوح بها من قبل. لأمتْ مادمت أملك سراً. ثم من يعلم ماذا يحدث؟ ربما وقعت المعجزة، وقدّر لظامي أن ترتوي ذات يومٍ بقطراتٍ حلوة المذاق مثل كعك العيد.
توقف الكلام في شريط التسجيل. وسمع المحقق تكتكة ما، ثم دوى طلق ناري وانتهى الشريط.
في تلك الليلة، رفع المحقق تقريراً عن انتحار رجل مجهول في حالة السكر الشّديد، وأرسل الجثة إلى المشرحة. ولم ينسَ أن يضّمن تقريره اقتراحاً يقضي باعتقال جميع أبناء الحارة لضرورات المصلحة العامة.
الضحية
وديع اسمندر).
شرح عام:
النص عبارة عن معاناة سوداوية وجودية وتجربة إنسانية مريرة من الفقد والألم مستوحاة من تجربته كمعتقل، يبدأ الكاتب توجيه خطاب للآخرين الذين قد يمثلون (المجتمع، القدر، الأعداء، ربما). وهو متيقن ومعترف بقدرتهم على تمزيق جسده، مؤكداً أن حقيقته وجوهره سوف يبقيان عصيين عليهم، فكل ما يجول في مشاعره وقلبه من أحقاد وأوجاع لم يجرؤ يوماً على البوح بها سوف تظل هي القوة الدفينة التي لن تطالها أيديهم.
نلاحظ في النص حالة من الانتظار وإحساس بالأمل المكسور، ربما لمعجزة قد تقع لرغبة بسيطة في العودة إلى تفاصيل الحياة الهادئة كقوله: "قطرات حلوة" و "رائحة كعك العيد " هذا النزوع للبساطة يعكس عمق حالة الحرمان والاغتراب الذي يقاسيه الكاتب.
يصور الكاتب المشهد المأساوي والتحقيق بنبرة سردية شبه سينمائية حيث بتوقف التسجيل ويدوي صوت طلق ناري، دلالة على "النهاية" أو الانتحار، وتظهر هنا سخرية مريرة من "المحقق" الذي يرفع تقريراً بارداً عن الحالة بأنها انتحار رجل مجهول في حالة سكر شديد، دون أن يلتفت للعمق الإنساني أو المأساة الحقيقة التي دفعته لذلك.
ينتهي النص بقرار المحقق باعتقال جميع أبناء الحارة لضرورات المصلحة العامة، الكاتب في هذه النهاية سلط الضوء على عبثية القوانين والأنظمة التي تعاقب الأبرياء أو تتعامل مع المأساة الفردية كمسألة أمنية بحتة، متجاهلة الجانب الإنساني.
اللغة والدلالات الرمزية للنص:
النص يحتوي دفقات شعورية ورمزية عالية تعكس صراعاً بين الضحية(البطل المنتحر) والسلطة (المحقق)،. فيمايلي أبرز ما رأيت في النص من دلالات رمزية:
الكاتب استخدام الأسلوب الرمزي بشكل لافت (خناجر الحقد)، رمزاً للقهر والظلم الاجتماعي والنفسي الذي تعرض له وهذه الخناجر ليست مادية، بل طعنات معنوية.
ذكر الكاتب ايضاً "قطرات حلوة، "كعك العيد " كرمز للأمل المفقود والذكريات البسيطة الجميلة التي يحلم بالرجوع لها رغم تواضعها، وهذا رمز على بساطة أحلام هذا الإنسان المسحوق في لحظاته الأخيرة.
تعابير (النحر، السكر الشديد) استخدمها الكاتب ليرمز إلى تزييف الحقائق في تقرير المحقق ورمز على استخفاف السلطات الظالمة بحياة الفرد وتحويل مأساة الانتحار إلى حالة عارضة تبرر إغلاق الملف.
الكاتب ذكر "الحارة" كرمز للمجتمع الضيق أو الوطن الذي يعاني من القمع الجماعي (اعتقال جميع أبناء الحارة), حيث يظهر هنا السخرية السوداء في نهاية الرجل الذي يتهم بالانتحار تحت تأثير السكر، وتعتقل الحارة للمصلحة العامة كدلالة على العبثية والواقع المرير.
لاحظت من خلال قراءتي العميقة بين طيات النص استخدام الكاتب الكتير من اسلوب المحسنات البديعة لدعم متن النص وإضفاء الجمالية والفنية ضمنه وشرح حالة التشظي والألم مثال:
"ستمزق جسدي لكن جثتي ستظل على صمتها" استخدم هنا الاستعارة المكنية حيث صور الجثة ككائن يمتلك إرادة الصمت والتحدي مما يعطي الجسد الهامد قوة معنوية.
استخدم أسلوب المقابلة التي ظهرت بوضوح بين عالم البطل المليء بالألم والأحلام البسيطة " السكينة و الكعك" وبين عالم المحقق المليء بالبرود والتقارير الجاهزة والاعتقالات التعسفية.
الكناية استعملها الكاتب في قوله :"لم أجرؤ على البوح بها" كناية عن شدة القمع أو الأسرار الوجودية العميقة التي يحملها الإنسان.
نرى أيضاً جمالية أسلوب التضاد التي أبرزها النص "صمت الجثة ودوي طلق ناري" مما أنتج هنا تواراً درامياً يشد القارئ.
خاتمة
النص ينتقل في النهاية من المناجاة الداخلية الذاتية "أنا أدري” إلى الإيقاع التقريري الخارجي البارد "توقف التدوير.. رفع المحقق تقريراً" وهذا الإنتقال الشعوري يعزز شعور الاغتراب والضياع.
فالنص يصور صراعاً بين فرد متمسك بمبادئه حتى الموت وبين نظام قمعي يحاول محو أثر هذا الفرد وتشويه سمعته ومعاقبة محيطه لتخويف الآخرين.
برأيي الضحية هنا ليست الشخص فقط بل الحقيقة والعدالة أيضاً، فهذه النهاية المأساوية لشخص أو "قضية" مخلفاً وراءه رسالة صوتية اخيرة يختار الرحيل بكرامة، ورد فعل السلطة "المحقق" بالتضليل والظلم.
النص رائع بكل المقاييس وفق الكاتب بإظهار كل ما من شأنه لتوصيف الحالة وشرحها وتوضيح الرؤية.
ويمزح بين الشعر والسرد القصصي ليعبر عن مأساة الإنسان الهامشي في هذا العالم.