"المضحك المبكي" في ذكرى اغلاقها

علاء الدين تلجبيني

 متل يوم 29 أيار 1966
صدور قرار شفهي عن وزير الإعلام جميل شيّا يقضي بإغلاق مجلة المضحك المبكي بشكل نهائي، والتي كان يديرها سمير كحالة، نجل الصحافي الشهير ورائد الإعلام حبيب كحالة.
تأسست مجلة المضحك المبكي بواسطة حبيب كحالة سنة 1929، وهي مجلة أسبوعية فكاهية كاريكاتورية ساخرة تصدر كل سبت، تنشر محتواها بالفصحى والعامية، يرسم غلافها الفنان توفيق طارق.
جاء في عددها الأفتتاحي (أما خطتنا فأننا نعاهد القراء على تكون صريحة صادقة ولو أغضبت البعض، ولانجعل موقفنا موقف الأحنف الذي كان يسمع مدح الشعراء بيزيد بن معاوية وهو ساكت، فلما سأله معاوية مالك ساكت يا أبا بجر؟ فقال إنني أخاف الله تعالى إذا كذبت و أخافك إذا صدقت!
فنحن سنسعى الى أن نخاف الله في صراحتنا، وأما عبيد الله فإن غضبوا فنحن نقول الحقيقة فليشربوا من البحر).
لم تهنأ الصحيفة بمسار هادئ وثابت، فمع تقلب الأحوال السياسية في سوريا كان صوتها مزعجاً وغير مستساغ لأهل الحكم، حتى إن الفترات التي توقفت فيها تكاد توازي الفترات التي استمرت فيها بالصدور.
فتوقفت الصحيفة عدة مرات، وكانت المرة الأولى لمدة ثلاثة أشهر سنة 1930 على يد السلطات الفرنسية، بعد نشر كاريكاتير لوزراء حكومة تاج الدين الحسني وهم يرددون النشيد الفرنسي في ذكرى الثورة الفرنسية، وهم يرتدون طرطوراً مضحكاً.
توقفت للمرة الثانية لمدة ثلاثة أشهر في 30 نيسان سنة 1932 بسبب انتقادها الرئيس تاج الدين الحسني، غير أن كحالة استمر بالنشر بالتوقيت ذاته مستخدماً اسماً آخر للمجلة بعنوان (ماشي الحال)، حيث وصفها القرار بالصحيفة الهزلية التي قد تؤدي مقالاتها إلى الاضطراب العام.
توقفت للمرة الثالثة سنة 1933 لمدة عشرة أيام بسبب رسم كاريكاتوري للحكم الدستوري في سوريا، وهو طريح فراش المرض، والوزراء يسألونه عن صحته فيجيب: (زفت).
في سنة 1934 مثل حبيب كحالة أمام القضاء في دعوى سميت دعوى (الحمير والنواب)، وتتخلص قصة هذه الدعوى بأن المجلة نشرت مقالة ساخرة جاء فيها أن الحمير قرروا في مؤتمرهم (أنهم يمشي حالهم أن يشتغلوا نواب لأن بين النواب حمير كتير وبينهم من هو أحمر بكتير)، وقد دافع عن كحالة في هذه الدعوى عدد من المحامين السوريين واللبنانيين.
في سنة 1936 توقفت المضحك المبكي تلقائياً تضامناً مع الوطنيين في الإضرابات المشهورة.
تعطلت المجلة في 1939 و1940 و1941.
وعطلتها الحكومة في 1946، وتعطلت لمدة شهر غداة انقلاب الزعيم سنة 1949، وتوقفت نتيجة الضغوط في عهد الشيشكلي، وعادت من جديد سنة 1954 و عملت لمدة عامين ضمن مناخ حرية التعبير الذي كان سائدا في تلك الفترة.
توقفت الصحيفة سنة 1956، وبقيت متوقفة حتى عهد الانفصال، حيث عادت للظهور في 7 تشرين الأول 1962، وجاء في افتتاحية العدد:
(تعود هذه المجلة إلى الصدور بعد غياب طويل لا أتهم به أحداً ولا أرجعه لأحد، إنما قصدته بملء إرادتي وبمحض مشيئتي، لأنني لم أستطع أن أكتب ما أريد ولا أُحمل على أن أكتب ما لا أريد، فكسرت القلم واعتزلت، لأن العبد الحقيقي كما يقول أوسكار وايلد هو الذي لا يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية).
توقفت المجلة في 19 شباط 1963 بعد أن تعرض صاحبها حبيب كحالة إلى إهانة من قائد قوى الأمن الداخلي مطيع السمان. يقول السمان في كتابه وطن وعسكر عن تلك الحادثة:
(كان حبيب كحالة قد نشر صورة كاريكاتورية لرئيس الوزراء خالد العظم وزوجه نائمين في سرير واحد وفوقهما غطاء قصير وضيق، مما كشف عن قدمي الرئيس لأنه طويل وغطاؤه قصير، وعن مؤخرة الزوجة لأنها قصيرة وسمينة والغطاء ضيق) مما أزعج الرئيس كثيراً يضيف السمان استقدمت كحالة وأسمعته كلاماً غير لين لكي لا يعود إلى مثلها جارحاً، فقال: أما أن أستمر على هذا المنوال أو أغلق المجلة، فقلت له بحدّة: أغلقها، وحقيقة أمري بأني لا أقصد إغلاقها لأني لا أملك هذا، إنما أقصد عدم الاهتمام عند إغلاقها، وقد توقفت عن الصدور ولم تستأنف إلا بعد الثامن من آذار).
عادت المجلة للصدور في حزيران 1963، واستمرت حتى إغلاقها سنة 1966.
اللافت أن المجلة بلغت ذروة نشاطها في سنة 1964، حيث أصبح يباع منها حوالي 20 ألف عدد أسبوعياً، وهو أمر لم تألفه من قبل. وكانت أبرز مقالات المجلة تلك المقالة التي تحولت فكرتها فيما بعد إلى لوحة من لوحات مسلسل مرايا لياسر العظمة، عن طالب أسمه حسن المنجد الذي أخرجه الأستاذ ليكتب على اللوح فقشط سروال حسن و ضحك رفاقه، فأصبح زملاؤه و الناس خارج المدرسة يتداولون لأيام قصة حسن الذي قشط سرواله. هاجر حسن إلى البرازيل و أقام فيها عشرين عاما ثم عاد. وما زال الناس يتذكرون و يعتبرون قصة حسن قشط سرواله علامة بارزة في تاريخ المنطقة، فعاد إلى البرازيل مجدداً ولم يرجع الى البلاد من جديد.
وهكذا أُسدلت الستارة عام 1966م على أهم تجربة إعلامية عاشت 37 عاماً، أغنت الصحافة العربية بمطبوعة مميزة، لم نشهد لها مثيلاً حتى الآن.
مصادر:
تطور الصحافة في مائة عام — جوزيف إلياس
وطن وعسكر — مطيع السمّان