وإن سألوك عن كلب أهل الكهف!
مصطفى خاطوري- العراق
"الكلب" كلمة في سياق آيات سورة الكهف..
جاءت إسم صفة.. لا إسم ذات.
..وهي من فعل كلّب يُكلِّب تكليبا
...والتّكليب هو التدريب والحمل على الخدمة والسخرة والحراسة
..وما إلى ذلك من الخدمات
..وقد جاء هذا الفعل في سياق آية ٤/المائدة
.."يسألونك ماذا أحل لهم..
قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلِّبين تعلمونهن مما علمكم الله.. فكلوا مما أمسكن عليكم.
..واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله..
إن الله سريع الحساب "المائدة"...
فالحيوان المعروف بهذا الإسم إذاً...
قبل أن يُكلَّب لايسمَّى كلباً
..وإنما هو من الجوارح..
...إلّا أن هذه الصفة قد تكون لغير الحيوان
...للطير مثلا.. كالصقور والنسور
...وقد تكون حتى للإنسان كذلك
...وهو الذي يكون قائما على السخرة لفائدة من يؤدي له على فعلها
...وقد يدخل في إطار هذه الخدمة السخرة.. والحراسة.. وجلب كل الاحتياجات غذائية كانت.
أو غيرها
...هذا على مستوى الاصطلاح اللغوي
...أما على مستوى النحو اللغوي
..فالقاعدة اللغوية تقول...
أن تمييز العدد لا يمكن أن يدل على عنصرين مختلفي الجنس أو النوع
...حيث أن الله تعالى يقول
.."سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم..
ويقولون خمسة سادس(هم) كلبهم رجما بالغيب..
ويقولون سبعة ثامن (هم) كلبهم..
قل ربي أعلم بعدتهم "الكهف"..
رابع(هم ).. سادس(هم).. ثامن(هم)
..كلها أعداد جاءت متصلة بتمييز للعدد..
على شكل ضمير متصل تقديره "هم".
.هذا التمييز لا يمكنه ولا يصح له أن يدل
على عنصرين مختلفي النوع أو الجنس
...فلا يمكن أن يدل على الفتية وهم بشر ويضم معهم كلب يختلف جنسه عن جنسهم..
أي حيوانا..؟!
...هذا غير صحيح لغوياً.. وغير وارد نحوياً... وحتى غير لائق أدبياً...
فمثلا لايمكن أن أقول:
".. اشتريت ثلاثة أقلام رابعها مسطرة"
...فالهاء.. التي هي ضمير متصل دال على تمييز العدد..
لا يمكنها أن تجمع الأقلام والمسطرة في دلالتها على التمييز
..لأن المسطرة مختلفة عن الأقلام من حيث النوع
...والصحيح أن أقول:
اشتريت ثلاثة أقلام ومسطرة.
.كما يصح القول:
"اشتريت ثلاثة أقلام زرقاء رابعها أحمر"
...هنا الهاء الدالة على تمييز العدد جمعت بين الأقلام
لأنها من نفس النوع وإن اختلفت في اللون...
كما أن قولنا في مقام آخر
"دخلت إدارة المدرسة فوجدت ثلاثة أساتذة رابعهم مديرهم"..
تعبير صحيح لأن تمييز العدد وهو الضمير المتصل (هم)...
يعود على نفس النوع..
فهم جميعا بشر والاختلاف بينهم يكمن في المهام فقط
..بينما لن يصح بالقطع القول...
"دخلت إدارة المؤسسة، فوجدت ثلاثة أساتذة رابعهم قط"
...هنا اختلاف جنس الرابع (حيوان)..
عن جنس الثلاثة (بشر)
يمنع جمعه معهم في ضمير واحد يعود على عدد مجموعهم (٤)
...والصحيح هو ذكر عدد الأساتذة في معزل عن القط
لأنه ليس من جنسهم..
فيكون الصحيح في القول هو
"دخلت إدارة المؤسسة فوجدت ثلاثة أساتذة وقطاً
أو وقطين"..
ملمح آخر في الآية يزيد من تأكيد بشرية كلب أصحاب الكهف..
ألا وهو تسمية الجزءين المبسوطين من يديه على الوصيد "بالدراعين"
وذلك.. في قوله تعالى:
"...وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد... "الكهف".
قبل ذلك لابد من الوقوف عند كلمة وصيد..
.وهي إسم مفعول على وزن فعيل
..وهو مخرج الكهف
...بعد أن أُوصِد فأصبح وصيدا
...أي لا مجال للخروج منه أو الدخول إليه.
..فهو وصيد
..أي منيع
..وقد جاء مفهوم "الوصد" بمعنى الإنسداد وإحكام الإغلاق في وصف نار الله الموقدة على داخليها.
..وذلك في قوله تعالى
" إنها عليهم موصدة في عمد ممددة "الهمزة"
سؤال هنا يطرح نفسه:
كيف لحيوان أن يبسط دراعيه بوصيد الكهف لمنع الدخول منه وإليه؟..
طبيعة حيوان الحراسة في الحراسة هي الجلوس أمام الوصيد (الباب الموصد) في ترقب لأي طارئ قد يفاجئهم بالدخول...
رجوعا لعبارة "ذراعيه"..
.والتي تمثل الجزء الأوسط من اليد البشرية..
.على اعتبار أنها تتكون من الكف والذراع والعضد... بدليل قوله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ... "المائدة"..
فلا يصح ولا يعقل اصطلاحا ولا أدبا أن تطلق كلمة ذراع ولا باقي أجزاء اليد البشرية على أطراف حيوان.
فنقول دراع بقرة.. وعضد ضبع... وكف ضفدع.. وجيد زرافة...
وعليه.. فالكلب بين أصحاب الكهف لم يكن حيوانا كما جاء في التراث الفقهي الدجلي، وإنما هو إنسان من جنسهم قائم عليهم بالخدمة...
تأملها وتدبرها بتجرد عن "هذا ما وجدنا عليه آباءنا".
"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب..
أو ألقى السمع وهو شهيد"