أَبَا هِنْـدٍ فَلا تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا .. وَأَنْظِرْنَـا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَـا
أسامة خليل يزبك
أَبَا هِنْـدٍ فَلا تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا .. وَأَنْظِرْنَـا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَـا .. بِأَنَّا نُـوْرِدُ الرَّايَـاتِ بِيْضـاً .. وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا.
نحنُ أمام عمرو بن كلثوم بن مالك، الفحلُ الذي لم تُنجب العربُ أعزَّ منه نفساً، ولا أصلبَ منه عوداً.
هو ابنُ ليلى التي لم يكن ميلادها مجرد حدثٍ عابر، بل كان "بشارةً غيبية" انقدحت في منام أبيها المهلهل (الزير سالم)؛ حين رأى في رؤياه أنَّ وئيدته التي أراد القومُ طمرها في التراب ستكون سيدةً تلدُ سيداً، وأنَّ من رَحمها سيخرجُ الفارسُ الذي تنحني له تيجانُ الملوك.
فكانت ليلى هي "الوديعةُ المقدسة" التي حُفظت بأمرِ الرؤى، لتكون الوعاءَ الطاهر لسلالةِ الأنفة.
أما والده، كلثوم بن مالك، فقد أتاه الوحي في منامه كفلقِ الصبح، ليبشره بغلامٍ ليس كالغلمان، غلامٍ يملأ الأرض صهيلاً ويملأ الصدور هيبةً....
فجاء "عمرو" تجسيداً لتلك الأحلام التي هي عند العلويين بابٌ من أبواب النبوة، وإشراقٌ لا يأتيه الباطل؛ فما كانت أحلام أجدادنا مجرد أضغاث، بل كانت صلةً بالملكوت ترسمُ مساراتِ المجد قبل وقوعها.
لقد نشأ هذا الفحلُ في كنفِ عائلةٍ وائليةٍ نصرانيةِ الروح، عَلويةِ المذهبِ في الصونِ والوفاء.. مضرية النسب..
فكان خاله وائل بن ربيعة (كليب) ورفيقه الصدوق امرؤ القيس بن أبان، لا يرتضون بغير "الواحدة" شريكةً للروح والعمر، في ترفّعٍ عن فوضى الشهوات التي سادت الجاهلية؛ وهو ذاته النهجُ الذي استمرَّ في دماءِ العلويين، يقدسون العهد، ويحفظون الغيب، ويجعلون من المرأةِ حصناً للمقدس لا متاعاً للزائل.
حين غدرَ الملكُ عمرو بن هند، وظنَّ أنَّ "ليلى" يمكن أن تنحني، جاءه الردُّ كصاعقةٍ من سماءٍ صامتة.
صرخت ليلى: "وا ذلاه! يا لَتغلب!"، فاهتزَّ عرشُ الحيرة تحت وقعِ النعلِ التغلبي.
انتزعَ عمرو بن كلثوم سيف الملك من غِمده، في لحظةٍ تجلّت فيها شجاعةُ مُضر وقوةُ تغلب، وأطاح برأسه ليعلن للعالم أنَّ الكرامةَ أغلى من دمِ الملوك.
ثم وقفَ كالطودِ العظيم ينشدُ معلقته التي لم يترك فيها فخراً إلا واحتواه:
وَنَحْنُ الحَاكِمُونَ إِذَا أُطِعْنَا .. وَنَحْنُ العَازِمُونَ إِذَا عُصِيْنَا
وَنَحْنُ التَّارِكُونَ لِمَا سَخِطْنَا .. وَنَحْنُ الآخِذُونَ لِمَا رَضِيْنَا
مَلأْنَا البَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا .. وَمَاءَ البَحْرِ نَمْلؤُهُ سَفِيْنَا
يا أبناء السلالةِ العلويةِ الضاربةِ في عُمقِ الفخار، انظروا إلى جدكم كيف صيّر الكلماتِ خيولاً، والسيوفَ أقلاماً.
أنتم ورثةُ تلك "الرؤيا" التي منعت الوأد، وورثةُ ذلك "الوفاء" الذي لم يتبدل، وورثةُ تلك "الشراسة" التي لا تنطفئ في وجهِ الظلم.
عمرو بن كلثوم ليس مجرد شاعر، بل هو دستورُ الدمِ الذي يجري في عروقكم، يخبركم أنَّ العزةَ ليست اختياراً، بل هي قَدَرٌ محتوم لكل من نبتَ من ذلك الأصلِ الكريم.