حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته
هيثم أورفلي
من قلب "القرداحة" عام "1931"، وُلد الشاعر "حسن الخير" ليكون صرخة الحق المنتظرة.
آمن في شبابه بشعارات "البعث"، لكنه سرعان ما اصطدم بالهوة السحيقة بين زيف الهتافات ومرارة الواقع، فتحول من ابن البيئة الحاضنة إلى قناص أدبي يكشف عورات الاستبداد، ويمزق قناع الطائفية، داعياً لعدالة اجتماعية وتنوير حقيقي تبناه حتى في نصرته لتعليم المرأة.
النهاية الفاجعة:
عام 1980، غُيِّب خلف الشمس. وتقول الروايات إن جلاديه قطعوا لسانه قبل إعدامه وأخفوا جثمانه، ظناً منهم أنهم يغتالون القصيدة، فمنحوه دون أن يدروا خلوداً لُقِّب إثره بـ "لوركا العرب".
وثيقة المواجهة: «ماذا أقول؟»
في عام 1979، وبين حدَّي السجن والموت، اختار حسن الخير أن يكتب وصيته الشعرية ملوّحاً بدمه:
- ماذا أقولُ وقولُ الحقِّ يعقبُهُ...
جلدُ السياطِ وسجنٌ مظلمٌ رَطِبُ
- وإن كذبتُ فإنّ الكذْبَ يسحقُني...
معاذَ ربّيَ أن يعزى لي الكذِبُ
- وإن سكتُّ فإنَّ الصمتَ ناقصةٌ...
إن كانَ بالصمتِ نورُ الحقِّ يحتجِبُ
- لكنّني ومصيرُ الشعبِ يدفعُني...
سأنطقُ الحقَّ إن شاؤوا وإن غضبوا
لم يكن نصاً عابراً، بل كان محاكمة علنية لشرعية السلطة الزائفة. سخر الشاعر من شعارات "النضال والممانعة" التي يتغطى بها اللصوص، فاضحاً صعود طبقة "الانتهازيين" الذين أثروا من دماء الكادحين، دون أن يحرروا شبراً من الجولان أو النقب:
- أيقبلُ البعثُ أن تثري زعانفُهُ...
باسمِ النضالِ ثراءً ما له سببُ
- من أينَ جاؤوا به حقّاً وجُلُّهم...
ما زانَهم أبداً علمٌ ولا أدبُ
- ولا تشقّقَ كفٌّ فوقَ معولِه...
في الحقلِ يوماً ولا أضناهمُ التعبُ
- ولا تجلّى على أيديهمُ هدفٌ...
ولا تحرّرَتِ الجولانُ والنقَبُ
- هلِ السماءُ بكَت من فوقِهم فرحاً...
فراحَ يهطُلُ منها المالُ والذهبُ
- لا تكذبوا إنّها أموالُ أمّتِنا...
ومن غذاءِ بنيها كلُّ ما سلبوا
نبوءة الشاعر وأرقام المأساة:
تصفية حافظ الأسد لشاعر الحق لم تكن إلا تمهيداً ليكمل 54 عاماً من حكم عائلي وراثي، تحولت فيه مقدرات الدولة إلى إقطاعية خاصة؛ فصَدَقَت نبوءة حسن الخير بالأرقام والوقائع:
غادر رفعت الأسد البلاد بعد أن استنزف احتياطي ميزانيتها، وتكشفت حسابات باسل الأسد عن نحو 13 مليار دولار، وصولاً إلى ثروة بشار الأسد المنهوبة والتي قدّرت بأكثر من 120 مليار دولار أخرجها من عروق بلد مدمر.
إرثٌ يتجاوز الطغاة:
مات حسن الخير غدراً، وبقيت كلماته وثيقة إدانة عابرة للأجيال. والمفارقة الأكثر إيلاماً اليوم، أن بعض من يقتاتون على "فتات الخبز اليابس" الذي يرميه لهم النظام، ما زالوا يصفقون للسّجان ويمجدون الصنم.
لقد غاب الجسد وبقي الصوت؛ ليرسخ حقيقة تاريخية واحدة:
"الأنظمة المبنية على الخوف قد تملك الرصاص، لكنها تعجز عن إسكات الحقيقة."
لَم يقتلوا حسن الخير حين غيبوه، بل منحوا كلماته حياةً أطول من أعمارهم.