كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور

أمينة عباس- فينكس

يعد الأدباء والكتاب الفلسطينيون شهر تموز شهر الأديب والمناضل والشهيد غسان كنفاني، حيث تحيي الأوساط الثقافية الفلسطينية على مدار هذا الشهر الذكرى 54 لاستشهاده عبر مجموعة من الفعاليات التي تتناول سيرته مناضلاً ومبدعاً وعلامة فارقة في المشهد الفلسطيني والعربي، ومنها الندوة الأدبية "غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور" التي أقامها مؤخراً الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع أكاديمية دار الثقافة، وشارك فيها: د. ثائر عودة، الناقد أحمد هلال، أ. محمد أبو شريفة، والإعلامية هدباء العلي.. وفي تقديمه للندوة وصف رئيس الاتحاد د. حسن حميد كنفاني قائلاً: "شخصية أسطورية في الأدب والمقاومة والمواقف، وهو يمثل نموذجاً فذاً للكتابة الوطنية وأهمية الشكل الثقافي في المقاومة الذي لا يقل قيمة عن المقاومة المسلحة".

صوت في خدمة الثورة

استهلت الندوة بمشاركة أ. محمد أبو شريفة مدير تحرير مجلة الهدف التي أسسها كنفاني عام 1969 وترأس تحريرها حتى استشهاده عام 1972، واختار أبو شريفة في مشاركته أن يقرأ الافتتاحية الأولى التي كتبها كنفاني في العدد الأول لمجلة الهدف والمؤرخة بيوم السبت 26 تموز 1969 والتي حملت عنوان "صوت في خدمة الثورة"، ورأى أن كنفاني في هذه الافتتاحية عبر عن رؤيته الفكرية ودور المجلة في التركيز على فلسطين والهوية والانتماء والدور الجديد للصحافة العربية بعد هزيمة حزيران: "فبعد الخامس من حزيران تبلور في المنطقة واقع ثوري جديد، يفرض بالمقابل واقعاً جديداً على صعيد الجهد الصحفي والإعلامي.. و"الهدف" التي تشعر بحتمية دورها، إنما تأتي رداً على "الصناعة الإعلامية" العربية التي أسقطتها القيم التجارية، وقيم المجتمع المنهار، وبقايا العقل الرجعي والوسطي والمهاود، والجمود الفكري والعقائدي، في دوامة العجز والاستسلام، وحالت دون الكثير منها دون أن تلعب الدور الطليعي في الثورة.". ولذلك فإن "الهدف" كما جاء في الافتتاحية على لسان أبو شريفة لا تستطيع إلا أن تكون ملتزمة بقضايا الجماهير: قضايا اختيارها الأيديولوجي التقدمي، وقضايا الكفاح المسلح، وقضايا الوحدة العربية، وقضايا التحرر من قيود الاستعمار والاستعمار الجديد، وقيود الأنظمة الرجعية والتقليدية والمتخلفة، العاجزة عن تحقيق أهداف هذه الجماهير... وإن "الهدف" وأن كانت مسوقة، بحكم الواقع الراهن، لإعطاء اهتمامها الأكثر للقضية الفلسطينية: قضية الكفاح المسلح على اختلاف الفصائل المقاتلة التي تحمل لواءه، وقضية الصراع المصيري مع العدو الاستعماري وحلفائه الطبيعيين، فإن ذلك ليس إلا انعكاساً للحقيقة التي تقول إن القضية الفلسطينية هي الآن القضية المركزية العربية، والتي تشكل المحور الأساسي لأحداث المنطقة ومعظم قضاياها، مؤكداً كنفاني إن الالتزام الذي تربط "الهدف" نفسها به منذ البدء، وبصورة عضوية، بالثورة وبقيمها، على صعيد عربي وعلى صعيد عالمي، لا يمكن أن يحقق واجباته إلا من خلال التزامه هو الآخر بالحقيقة..: "تقدم "الهدف" نفسها على هذه الخطوط العريضة، منبراً حراً لصوت الثورة، إنما تطمح أن تضع بين أيدي قرائها وأنصارها – عبر كل عدد من أعدادها - تجسيداً لتلك الالتزامات التي ربطت نفسها بها، والتي – وحدها - تبرر صدورها".

نموذج روائي فلسطيني جديد

وعن أثر غسان كنفاني في الرواية الفلسطينية والعربية يعترف د. ثائر عودة أنه من الصعب تناوله دون الوقوف عند طبيعة المشروع السردي الذي أنجزه خلال فترة قصيرة نسبياً لم تتجاوز خمسة عشر عاماً من الكتابة الإبداعية. حيث الأثر الأدبي لا ينشأ من حضور الكاتب أو شهرته فحسب، وإنما من قدرته على إنتاج نموذج جمالي جديد يمتلك قابلية الامتداد وإعادة الإنتاج في تجارب لاحقة. ومن هذا المنطلق، فإن أهمية غسان كنفاني برأي عودة لا تكمن في كونه أحد أبرز كتاب القضية الفلسطينية، بل في نجاحه في تأسيس نموذج سردي أعاد تعريف وظيفة الرواية الفلسطينية، ونقلها من طور الشهادة التاريخية إلى طور التشكيل الفني. حيث أحدث تحولاً نوعياً بتجاوزه منطق التسجيل إلى بناء عالم روائي تتشابك فيه الأزمنة، وتتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر، ويغدو الإنسان الفلسطيني محوراً للوجود السردي، لا مجرد شاهد على المأساة. ليؤكد عودة أن كنفاني أسهم في تأسيس نموذج روائي فلسطيني جديد، تحول إلى مرجعية جمالية وفكرية في الرواية العربية، وأن حضوره في أعمال الكتاب اللاحقين لا يقتصر على إعادة إنتاج موضوعاته، بل يمتد إلى إعادة توظيف تقنياته السردية ورؤيته للإنسان والتاريخ والذاكرة. ليظهر أن تأثير كنفاني تجاوز حدود الموضوع الوطني الفلسطيني ليصبح تأثيراً بنيوياً في تشكيل تقنيات الرواية العربية الحديثة، سواء على مستوى بناء الشخصية، أو توظيف المكان، أو هندسة الزمن السردي، أو الاقتصاد اللغوي، أو العلاقة بين الواقعي والرمزي: "أن هذا التأثير لم يكن أحادي الاتجاه، بل أعادت الأجيال اللاحقة إنتاج الإرث الكنفاني بما يتناسب مع تحولات السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يؤكد حيوية مشروعه واستمراره في تشكيل الوعي الروائي العربي المعاصر".

أدب المقاومة

وانطلاقاً من أن أدب المقاومة لم يكن أبداً ظاهرة طارئة على الحياة الثقافية والمقاومة الفلسطينية، وقد قدمت على الصعيدين الثقافي والمسلح نماذج مبكرة ذات أهمية قصوى كعلامة أساسية من علامات المسيرة النضالية العربية والمعاصرة، تناول الناقد أحمد هلال في حديثه عن غسان دراسات كنفاني: "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966 والأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968 والأدب الصهيوني"، موضحاً هلال أن ما ذهب إليه كنفاني في أدب المقاومة العربي في الأرض المحتلة يقدم نموذجاً متقدماً في الحقيقة وعلامة جديدة نادراً ما استطاعت آداب المقاومة المعروفة في العصور الحديثة أن تحقق ما يوازيها في المستوى، وأن هذه المحاولات التاريخية للأدب المقاوم علامة ونموذج في مقابل ظاهرة الأدب الصهيوني، مبيناً أن القيمة التاريخية الراهنة لدراسة أدب المقاومة في فلسطين 48-66 أنه ما زال يمثل اجتهاداً نظرياً وعملياً في رؤية الأدب المقاوم مقابل نقيضه التاريخي، رؤية تتخطى الذات إلى الموضوع محتفظة بشرطها التاريخي وممهدة للنقد الفاحص الذي يخص الأجناس الأدبية التي اختارها كنفاني على مستوى الشعر، مستشرفاً في الوقت ذاته تطور أدوات هذا الشعر وأثره العميق في الثقافة العربية والفلسطينية: "وبتعبير غسان أن أدب المقاومة يمثل صرخة شجاعة وحالة من حالات الصمود في الداخل، فالمقاومة في الأدب تهدف إلى تدعيم ركائز الحرية والمسؤولية في الإنسان ليصبح الكاتب مناضلاً، وبهذا المعنى يكتمل مشروع كنفاني الإبداعي المقاوم بوعي ناقد مقاوم يستشرف الآفاق ويبشر بالوعي المقاتل".

رجال في الشمس

اختارت الإعلامية هدباء العلي من خلال مشاركتها في الندوة أن تتوقف عند رواية "رجال في الشمس" التي رأتها من أكثر الروايات إيلاماً وتترك في القارئ أحاسيس وانطباعات مختلفة، وهو الذي كتبها بلغة السهل الممتنع وأغناها بالتفاصيل لواقع الحياة الفلسطينية وقصة الهجرة التي ألبسها لبوساً خاصاً جعلت القارئ يتأمل ما كتبه كنفاني، وقد اختارت العلي قراءة المقطع الأخير من الرواية: "لأنه مؤثر ويفضي إلى سؤال لماذا لماذا، وهو سؤال ما زلنا نبحث عن إجابات له لعله نقف على الحقيقة التي أرادها غسان"، مشيرة إلى أن هذه الرواية نص خالد فيه الكثير من الفلسفة، وقد فتحت بوابة لأدب المقاومة بمقولتها الشهيرة "لماذا لم تقرعوا جدران الخزان".

في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"