علي كنعان: الثامن من آذار!

لهذا اليوم ذكريات غامضة غائمة. كنت في لجة السنة الثالثة في جامعة دمشق، وكانت الجامعة مغلقة طوال شهر، خوفا واحتراسا من وقوع انقلاب مشابه لما جرى في العراق، الانقلاب الذي أدى إلى مصرع عبد الكريم قاسم وصعود نجم صدام في ظل أحمد حسن البكر وعلي صالح السعدي وآخرين فرمتهم طاحونة الانقلابات العشواء، كما طحنت نظراءهم من السوريين... ولعل هذه الإشارة تكفي، لأني لا أريد أن أصادر الأحداث التي سيتضمنها الكتاب الثاني من الثلاثية السردية عن دراما القرن العشرين التي أنجزت مخططها.. وشطرا عزيزا من الكتاب الأول عن مرحلة الطفولة والصبا الأول في القرية... والثلاثية بعنوان "وحش بعشرين قرنا"؛ وهذه الإشارة لا تخلو من التباس في الدلالة بين القرن الزمني والقرن الوحشي. لكن، لا بأس أن تدخل في باب العبث اللفظي أو ما يسمى فنطازيا Fantasy.
أتذكر ذلك اليوم جيدا لأن الأستاذ الزائر ليو هاماليان (وهو شاعر أميركي من أصل أرمني) كان قد كلفني بترجمة نص يروي حكاية أرمنية عن مأساة شيرين وفرهاد، وكنت على وشك إنجازه... في ذلك اليوم، أعلنوا من الإذاعة منع التجول. و في اليوم التالي كانت شوارع دمشق أمواجا عارمة مع افتتاح الجامعة. نسبة كبيرة من الناس كانت تلهج وتحلم وتجادل بعودة الوحدة بين سوريا ومصر. لكن الطلبة الذين احتشدوا تحت شرفات الخطابة سرعان ما صدموا بالاختلاف العاصف الذي حدث بين خطباء الأحزاب – أو القبائل – التي ما زالت مزروعة في نفوس الملايين وصفوفهم ومواقفهم حتى اليوم... وهذه الإشارة تكفي هنا أيضا، ذلك أن الورق أكثر أمانا وحميمية من هذه اللغة الرقمية المريبة.
بريدي اليومي يغص بالرسائل القادمة من الصين واليابان محملة بصور الساكورا (أزهار الكرز) التي جعلت طلبة اللغات الشرقية (العربية والتركية والفارسية) في جامعة طوكيو يضحكون عجبا من جهلي وقلة حيلتي يوم تصورت أن (كرزهم) يثمر!.. وهذه قصة أوردتها في كتابي "السيف والمرآة: رحلة في جزر الواق واق".. ولا جدوى من تكرارها.
.. وأمس فوجئت بأن الصديقة/ رفيقة الدرب/ أعدت مأدبة احتفالية، وقد خطر لي أن المناسبة يوم المرأة العالمي، لكنها أنعشت ذاكرتي قائلة إن عيد الأم العربية يصادف يوم 21 آذار/ مارس، وأنتم تسمونه يوم الشعر العالمي... أما هذا الاحتفال فهو بمناسبة عيد ميلاد الختيار (أبوالرؤى)، لكنها لا تدري أنه يوم تكتنفه غيوم الربيع وزوابع بادية الشام بين حمص وتدمر.. فأنا لا أدري إن كنت من مواليد حوت آذار أو حمل نيسان!.. وهكذا عشت طوال 81 ربيعا أو شتاء، حائرا بين الطالعين، رغم ما بينهما من تناقض واضطراب. لكني أميل إلى الشتاء محبة بالشاعر الرومنسي شيللي.. واحتراما لذكرى الوالدة. كانت تقول إني ولدت بعد وقفة عيد الأضحى بيومين، ولم يبق من شباط إلا سبعة أيام. ولأن الوالدة كانت تحسب على التاريخ الشرقي، كما يفعل أبناء البادية والقرى المجاورة جميعا، فهذا يعني أني ولدت في السادس من آذار في تلك السنة الكبيسة. لكن المختار العتيد،  وهو يتمتع بسلطة عثمانية صارمة، سجلني في السادس من نيسان/ أبريل... أما قصة الشاعر شيللي فقد كنت، وما أزال، مأخوذا بقصيدته أنشودة إلى الريح الغربية Ode to the West Wind، هذه القصيدة التي بقيت ما يزيد عن خمسين سنة عاجزا عن ترجمتها. والبيت الأخير في القصيدة يقول: أيتها الريح، إذا حل الشتاء.. فهل في وسع الربيع أن يظل بعيدا؟!
وقبل مجيئي إلى الإمارات، لم أعبأ بيوم ميلادي.. ولا أذكر أني احتفلت به في يوم من الأيام. وغالبا ما أشعر بوحشة وغربة، حين يذكرني أحد به. لكن اهتمام أبناء الإمارات بالأبراج ومنازل القمر والأنواء، جعلني أمضي مع التيار.. وقد تبين لي أن هذه المعلومات التي تدخل في مجال المعرفة أخذت تدخل في فضاء العلم، ولا سيما أن الطالع لا يرتبط بالبرج الذي يخصك فقط، بل في موقع الكواكب الأخرى ذات الصلة العلمية به، من موقع إيجابي أو سلبي تأثرا وتأثيرا. وفي المجالس التي تعقد في "دارة السويدي الثقافية"، يجري الحديث كثيرا حول الطوالع والأبراج. ومن يتابع جدارية الشاعر محمد أحمد السويدي وموقعه على "الفيسبوك" يدرك أهمية هذه المعرفة التي لا بد أن تتحول قريبا إلى علم مرتبط بما انحدر إلينا من تراث الأجداد، ذلك أن الأبراج مرتبطة بمنازل القمر، ولكل منزلة أنواؤها ومواسمها الزراعية... والشعر العربي حافل بهذه المعلومات. ولعل الكتاب الموسوعي الذي سوف يصدره الشاعر السويدي بعنوان (منازل القمر) سوف يعطي المعلومات المستفيضة الكافية عن هذا الباب العريق في علم الفلك الذي لم يعد عربيا أو صينيا أو غربيا وحسب، إنما هو علم إنساني عام مرتبط بحضارة العصر وعلوم الفضاء. ويكفيني من هذأ العلم، أني غدوت متأكدا أن تلك الفلاحة/ البدوية/ الأمية.. كانت أدق في حساب القمر وأصدق من المختار في تسجيل النفوس الوافدة إلى هذه الحياة...
وأترك المرارة التي تستثيرها أشباح هذا اليوم، ولا أقول أطيافه، كامنة في صميم حبة القلب.. لعل الأجل يترك لي فسحة من الوقت لإنجاز الكتاب...