ميثم محمد: لكل مقام مقال

قال رجل لبعض العلماء وقد سأله فلم يجبه: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كتم علماً نافعاً ألجم يوم القيامة بلجام من النار؟ فقال له العالم: أترك اللجام وأذهب فإن جاء من يستحقه وكتمته فليلجمني به.

بعض العلوم هي أسرار من الله سبحانه لا يمنحها إلا لأهل الصيانة والأمانة لا لأهل الإفشاء والخيانة فمن كان مجيباً عن كل ما يُسأل ومعبراً عن كل ما شهد وذاكراً لكل ما علم فهو دليل جهله.

وكيف يجيب عن كل مسألة وليست لديه الإحاطة بكل العلوم وقد قال تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً"، وإجابة كل سائل جهل وضرر، إذ قد يكون السائل متعنتا لا يستحق جواباً وقد تكون المسألة التي سأل عنها لا تليق به لأنه لا يفهمها ولا يطيق معرفتها فتوقعه في الحيرة أو الإنكار وقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم"، وفي ذلك يقول الشاعر:

سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي                

ولا أنثر الدر النفيس على البهم

فإن قدر الله الكريم بلطفه               

ولاقيت أهلاً للعلوم وللحكم

بذلت علومي وأستفدت علومهم               

وإلا فمخزون لدي ومكتتم

فمن منح الجهال علماً أضاعه              

ومن منع المستوجبين فقد ظلم

وقال علي عليه السلام: حدث الناس بقدر ما يفهمون.

وقال عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.

والحِكَمُ أسرار ربانية لا يفهمها إلا أربابها، فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها، وأيضاً هي أمانات وسر من أسرار الملك وسر الملك لا يحل إفشاؤه. فمن أفشاه كان خائناً وأستحق الطرد والعقوبة ولا يصلح أن يكون أميناً بعد ذلك، فكتم الأسرار من شأن الأخيار، وهتك الأسرار من شأن الأشرار، وقد قالوا قلوب الأحرار قبور الأسرار، وقال الشاعر:

لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة ... فالسر عند خيار الناس مكتوم

وإذا كان الله تعالى يقول "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " فكيف بالعلم الذي هو لؤلؤ مكنون؟ قال عليه الصلاة والسلام: "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله", وما أبلغ ما قاله الإمام علي زين العابدين عليه السلام في هذا الصدد بقوله:

يا رُبَّ جوهرِ عِلمٍ لو أبوحُ بـهِ             

لَقِيلَ لي: أنت مِمّن يَعبُد الوَثَنـا

ولاَستَحلّ رجالٌ مسلمون دمي            

يَرَون أقبحَ مـا يأتونـه حَسَنـا

إنّي لأكتمُ مِن علمـي جواهـرَهُ           

كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتَتِنا

وقد تقدّم في هـذا أبـو حَسَـنٍ          

إلى الحسين، ووصّى قَبلَه الحَسَنا