يحيى زيدو: أضواء على كتاب "حافة الهاوية- وثيقة وطن" للدكتورة بثينة شعبان
أنهيت قراءة كتاب الدكتورة بثينة شعبان (حافة الهاوية- وثيقة وطن) الصادر عن دار بيسان في بيروت، و الذي يتضمن "الرواية التاريخية لمباحثات حافظ الأسد و هنري كيسنجر".
- يتضمن الكتاب مقدمة، و عشرة فصول مع خاتمة، و ملاحق تتضمن رسائل موجهة من هنري كيسنجر إلى الرئيس حافظ الأسد بين عامي (1974-1976).
- تستعرض الدكتورة شعبان في كتابها تفاصيل المحادثات التي أجراها هنري كيسنجر مع الرئيس الأسد في جولاته المكوكية الأربعة عشرة التي تعتبر أطول محادثات مكوكية في التاريخ الحديث، حيث تجاوزت مدة بعض الجلسات الثماني ساعات و نصف الساعة.
- يعتمد الكتاب بشكل أساسي على محاضر الجلسات المحفوظة في أرشيف القصر الجمهوري، ليقدم الرواية السورية الرسمية عن تلك المحادثات بعد أن كتب عنها كثيرون استنادا إلى وثائق غير سورية، أو إلى تحليلات مغرضة ذات مآرب سياسية معادية لسورية من جهة، و تهدف إلى تلميع بعض الشخصيات السياسية في تلك الفترة، و تقدم تبريراً للسياسات التي اعتمدتها بعض الحكومات آنذاك من مصر إلى السعودية و اسرائيل من دون إغفال الهدف الرئيسي لتلك الكتابات في تسويق و خدمة المشروع الأمريكي- الصهيوني في المنطقة من جهة ثانية.
و لعل ما ورد على لسان الرئيس الأسد في تلك المحادثات يكتسب اليوم أهمية قصوى في ظل التشويه المتعمد لدور سورية التاريخي بقيادة الرئيس حافظ الأسد لثلاثة عقود. فقد دأب أعداء سورية التاريخيون و خصومها السياسيون على الزعم بأن نظام الرئيس حافظ الأسد قد وقف حارساً لحدود الكيان الصهيوني بعد حرب تشرين عام1973. و هو ما يكرره كثيراً سياسيون لبنانيون و مصريون إضافة إلى أولئك الذين يزعمون أنهم يدعمون السوريين و "ثوار الغفلة" الذين يمارسون الإرهاب اليوم.
لكن محاضر الجلسات تثبت و بلسان الرئيس الأسد أنه رفض ممارسة هذا الدور مخاطباً كيسنجر بالقول: (أرفض أن أكون حارسأً لاسرائيل...) حينما طالبه كيسنجر بمنع الفلسطينيين من القيام بعمليات عسكرية من الجولان. بل إن الرئيس الأسد رفض تضمين الفلسطينيين في أي اتفاق فصل بين القوات السورية و الإسرائيلية كي لا يكون الفلسطينيون تحت ضغط أو تأثير أي اتفاق أو أية عملية سياسية تؤثر على حقوقهم السياسية و الشرعية في إقامة دولة فلسطينية. و من هنا نستطيع أن نفهم سعي سورية لإسقاط ما سمي (الخيار الأردني)، و العمل لتكون منظمة التحرير هي الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني.
و يستعرض الكتاب الدور الخياني الذي مارسه الرئيس المصري أنور السادات، و سياسة الكذب و الخداع التي مارسها مع الرئيس الأسد بشكل خاص، و مع العرب بشكل عام حتى انتهى به الأمر مقتولاً بعد أن ارتضى الإرتماء في الحضن الأمريكي، و أخرج مصر من الصف العربي، و من جبهة المواجهة مع اسرائيل.
كما يقدم الكتاب رواية السنتين الأولى و الثانية من الحرب اللبنانية التي بدت و كأنها ترجمة لسياسات كيسنجر التي خدمت اسرائيل، و كرستها قوة أولى في المنطقة.
يحتوي الكتاب الكثير من التفاصيل التي تجعل منه كتاباً جديراً بالاقتناء، و ربما كان يشكل مع كتاب الدكتورة شعبان (عشرة أعوام مع الرئيس حافظ الأسد 1990_2000)، و كتاب فاروق الشرع (الرواية المفقودة) بانوراما سورية شاملة عن العلاقات السورية - الأمريكية من بوابة المفاوضات منذ العام 1974 حتى العام 2000.
و إذا كان من ملاحظة على الكتاب فهي:
- أن الاقتباسات الواردة المأخوذة من محاضر الجلسات كانت قصيرة في مواقع كثيرة، و من الأفضل لو تم عرض بعض تفاصيل ما ورد في تلك المحاضر بشكل أكبر لإشباع نهم القارئ و المهتم بأجواء تلك المفاوضات على نحو أشمل.
- خاتمة الكتاب كانت سرداً أو تلخيصاً للكتاب، و لمواقف و سياسات سورية في عهد الرئيس حافظ الأسد، و نعتقد أنه كان من الأفضل لو تم إجراء مقاربة نقدية لتلك الوثائق من وجهة نظر تأريخية- سياسية متخصصة.
مع أن هاتين الملاحظتين لا تقللان من قيمة و أهمية الكتاب الذي يعطي صورة دقيقة عن العقل التفاوضي الاستراتيجي السوري كما مارسه و كرسه الرئيس حافظ الأسد قولاً و فعلاً.