أوس أحمد أسعد: "الآن انتهى كل شيء".. في حضرة غياب عماد جنيدي

هذا ماسمعته من صديقي الشاعر المحزون حدّ الغصّة, مازن الخطيب, عن لسان الشاعر الغائب جسداً والحاضر نصّاً /عماد جنيدي/..
عبارة قالها /عماد/ في حضرة ملائكة الشعر ومضى طفلاً يطارد فراشات القصيدة "كن أيها الوجود كما أريد فكان"... ووما إن اطمأن لذلك حتى غادر قفصه الفيزيائي مطمئناً اطمئنان القلق الرائع لكينونة شعرية كرست لها مكاناً لائقاً في خارطة الشعر العربي والانساني، ومضى إلى أثير الكون المخملي ليمتزج بذراته وشوارده، ومن يجيد فعل الكيمياء هذا أكثر من الشاعر المعجون بماء البدءأن يختلط بأنوثة الطبيعة ويترك لغيره الاختصام في قراءة الدلالات الشاردة.
/ أنام ملء جفوني عن شواردها.. ويسهر الخلق جرّاها ويختصم/
الآن انتهى كل شيء حكمة يقولها اثنان /شاعر أو اله/ وليعذرنا سدنة بيت الله الصغار. وطالما أن مأثورنا وموروثنا الغيبي على اختلاف حفريات ثقافته يصرّ بأن الوجود قد خلق من قبل الآخر لغاية ما مستشهداً بمقولات الفيزياء أيضاً "السبب والنتيجة.. الفعل ورد الفعل.. الخ...", فلن نختلف في أسئلة الوجود الكبرى ولكن اختلافنا سيكون في الأجوبة الضيقة. فالمقولة المعرفية الثقافية الاشكالية لن تجعل قاريء في حرفية "الفيزياء والوجود" يرى هذا الغنى والتنوع في النص الكوني الهائل الغموض والدلالات.
مايهمنا حقيقة هنا هو تبادل الأدوار بين الشعراء والآلهة الذي يبدو لي ممكناً.

تقول الآلهة /كن/ فيزهر الوجود فصولاً وخلقاً. وثمة من يعطي للآلهة زمناً لإنجاز فعلها وهو سبعة أيام لتستريح بعدها من عناء فعلها مستروحة مستمرئة إنجازها ثم لتمضي إلى غموضها العبثي تماماً كالمهلة التي يعطيها الشاعر لاكتمال شروق القصيدة ولن نختلف على عدد الأيام، ثم ليقول كلاهما أو أحدهما على لسان الآخر /الآن انتهى كل شيء/. الشاعر قالها بلا لبس بعد أن أنجز ما لديه، عارفاً أن لحظاته الفيزيائية قد غدت في هزيعها الأخير ليسطر عباره في سجل الذاكرة.

لقد رفض الشاعر /عماد جنيدي/ أن يسعفه أحد إلى المشفى، وقرر إنهاء كل شيء دفعة واحدة، لم يقبل العلاج بعد وقوعه الأخير, واكتفى بنطق بعض الأسماء لتحضر لحظات إنجاز فعله. هكذا الوجود وجودان /تخييلي وفيزيائ/ وكلاهما بشوارد كثيفة عالية الدلالة.

/عماد جنيدي/ لم ينازع أحداً في قصة الخلق أنجز ما لديه بكامل الوعي لما لديهوهو الذي واكب جديد الشعر بذاكرة وذهن وقادين منفتحين على رياح التغيير حتى لحظة الرشفة الأخيرة. كرع نصف الكأس ومضى لايعبأ ببطولات الشعراء وزوابعهم المثيرة للغبار وحتى حين سطا الآخرون على نتاجه لم يتأفف وترك التقولات لغيره وتلك صفة الكبار يمضون وكلهم ثقة بأن نصوصهم المهجورة ستنصف يوماً بقراءات أكثر رصانة أو جدية لتأخذ مكانها اللائق بين نتاج الشعراء الكبار.
وكم أتمنى من الجهات الرسمية /وزارة الثقافة، اتحاد الكتاب العرب/ أن تبادر إلى لملمة نتاجات الشاعر الراحل /عماد جنيدي/ وطباعتها بما يليق بمكانته الأدبية وبدورها كمؤسسات معنية بالشأن الثقافي عموماً.
خصوصاً وهو المعروف لدى الكثيرين ممن يتبوؤون مواقع مهمة في صنع القرار.
حسب معلوماتي لم يطبع له حتى الآن سوى /قميص الخراب/ عن دار الينابيع /دمشق و/صور السهل الأزرق / طباعة اتحاد الكتاب العرب أوائل الثمانينات... فهل تظل مجرد أمنية؟!