كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

وداعا ديفيد لينش

علي بدر

 وداعا ديفيد لينش، وداعا سيد الأحلام وامبراطور كوابيس الواقع، فأنت لست مخرجاً سينمائياً فقط، بل أنت معماريّ للخيال، ومهندسٌ للأوهام، ورسامٌ للظلال التي تسكن أعماق النفس البشرية. أنت ذلك الفنان الذي يجعلنا نتأمل ما وراء الستائر الحمراء، نبحث عن المعنى وسط الغموض، ونرتعش أمام ما لا يُقال، وما لا يُفهم. كلما شاهدت أفلامك، شعرت بأني أعبر إلى مكانٍ لا يشبه أي مكان آخر، حيث الصور تُكلمني بلغة غريبة، حيث الأصوات تهز أعماقي، حيث الحقيقة ليست ما تبدو عليه. 
في أفلامك يصبح الواقع نفسه مادة للتلاعب. الشخصيات ليست كما تبدو، الأماكن تحمل أسرارًا مظلمة، والقصص تتشظى إلى مستويات متداخلة من الحلم والكوابيس. فيلمك الأول "إيريزر هيد" (1977) كان إعلانًا صريحًا عن هذه الفلسفة. 
عالمٌ صناعي، قاتم، مليء بالرموز والمخاوف البدائية. طفلٌ مشوه، رجلٌ تائه، وأصواتٌ متداخلة تجعلك تشعر بأنك في قلب كابوسٍ حي. في فيلم "بلو فيلفت" (1986)، تندلع الفوضى تحت قناع الحياة المثالية. شاب يعثر على أذن بشرية مقطوعة، فتأخذه رحلته إلى أعماق مظلمة من الجريمة والجنس والقوة. هنا، تظهر عبقريتك في كشف الجانب القبيح للإنسان تحت سطحه المصقول، مُذكرًا إيانا أن الشر قد يختبئ خلف أجمل الوجوه. فيلم "مولهولاند درايف" (2001) ليس مجرد فيلم عن هوليوود، بل عن الحلم الأمريكي ذاته. هنا، يتحول الحلم إلى كابوس. الحب يصبح خيانة، الطموح يتحول إلى سقوط، وكل شيء يُغلف بغموضٍ يخطف الأنفاس. أنت لا تخبرنا بما يحدث، بل تدعونا لنتوه معك في دروب الحكاية، حيث تنقلب الأدوار، وتصبح كل نهاية بداية لشيء آخر. 
مع مسلسل "توين بيكس" (1990-1991)، رسّخت مكانتك كروائي الحلم والكابوس في الشاشة الصغيرة. بلدة صغيرة تُخفي تحت هدوئها جرائم ومآسي. تسكنها شخصيات غريبة، أحداثها تتبع منطقًا أشبه بمنطق الأحلام. توين بيكس ليست مجرد قصة عن جريمة قتل، بل هي مرآة مشوهة لما يمكن أن تكون عليه النفس البشرية، حين تختلط البراءة بالوحشية. أنت تتجاوز كونك مخرجًا لتصبح حالة فنية فريدة. أنت تخلق عوالم كاملة تتجاوز الشاشة، فتصيبنا بالارتباك، بالفضول، وربما بالرعب. لكنك في النهاية تدعونا لاكتشاف شيء عن نفسنا، عن مخاوفنا، عن أحلامنا التي لم نجرؤ على مواجهتها. أتذكر تلك الليلة في بروكسل عندما عُرضت أفلامك في صالة مونش الصغيرة، صالة لم تكن تتسع إلا لعدد محدود من الحاضرين، لكنك بدوت وكأنك عالمٌ كامل حين وقفنا نحن هناك، ننتظر. كانت صديقتي، طالبة سينما تملأني بحكايات عن عبقريتك، عن مولهولاند درايف وتوين بيكس، عن إيريزر هيد الذي كان بالنسبة لها أقرب إلى النص المقدس. كانت تتحدث عنك وكأنك نبيّ السينما، وعندما ظهرت تلك الليلة، شعرت أنني أمام أحد أبطالك. 
شكلك لم يكن عاديًا، كأنك تشبه شخصياتك: هادئًا، لكن وراء هدوئك عاصفة. وجهك يحمل ظلالًا من غموض أفلامك، وصوتك أشبه بموسيقى مشهدٍ طويل من التوتر. تحدثت، ولم أسمع كل كلماتك، كنت مشغولًا بتخيل كيف يمكن لهذا الوجه الغريب الملامح أن يصنع عوالم معقدة ومربكة، عوالم تشبه الأحلام لكنها في الوقت نفسه تمزقك بواقعية مؤلمة.

وداعا ديفيد لنش فأنت ترحل وأعمالك باقية فينا حيث الحب والغموض يختلطان، حيث الحياة، والأحلام التي لا تنتهي.

نبيل خزام الفنان الحمصي الذي انطفأ كالشهاب في سماء الكوميديا
فهد بلان هكذا عشتُ معه وهكذا حفظتُ ذكرياته
مهرجان سلمية للديودراما 22-26 أيلول الأول في سوريا.. والرابع عربياً
مهرجان سوريا المسرحي يختتم فعالياته في حلب و"ليلة الوداع" تحصد جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل
وزير الثقافة يكرم د. حبيب غلوم العطار في مهرجان سوريا المسرحي
فعاليات مهرجان سوريا المسرحي في حلب مستمرة.. والختام يوم السبت القادم
د. يوسف عايدابي.. أيقونة إنسانية وفكرية وفنية
فهد بلان وأصدقاؤه في سهرةٍ فنية
في ذكرى اغتياله ناجي العلي.. معنا.. وبيننا
جمعية المسرح الحر.. عودة إلى الواجهة بعد سنوات من الجمود
مع الفهد.. وفيلمون وهبي.. الموهبة.. لا لغة لها ولا هوية..!
رحيل التشكيلي سليمان منصور حارس الذاكرة الفلسطينية
من هو التوأم الفني لفهد بلان؟
مع ختام معرضها "نبض الطبيعة في حضرة الإبداع"
فهد بلان.. واليتيم حسام