اهداء الى روح الفنان الكبير يوسف حنا
حسين محمد حناوي
من ذاكرة الدراما الفلسطينية إلى وهج خشبة المسرح القومي، كان هناك من لم ينتظر الوطن ليُخلق، بل صنعه بيديه على خشبةٍ من نور.
أيها المبدع، ليس الإبداع أن تقرأ النص كما كُتب؛ الإبداع أن تجعل النص يقرأك أنت. وهذا ما فعله بالضبط يوسف حنا، ذاك الفتى الذي حمل فلسطين في عينيه حين اضطر للرحيل عام النكبة، ليصنع من بيته البديل في دمشق أعظم مسارح العودة.
هو الذي اختار دراسة الأدب الإنكليزي في الجامعة، لا ليكون أستاذاً في قاعة الدرس، بل ليُحوِّل شكسبير ونصه إلى لغة عربية نابضة بالحياة على الخشبة السورية. كانت ثقافته الغزيرة سلاحه، وكان المسرح وطنه البديل. أسس المسرح الوطني الفلسطيني بقلبه قبل جسده، فلم يكن مجرد ممثل يؤدي، بل مقاوم يزرع الحقيقة أينما حلَّ.
لمع اسمه في سماء التلفزيون السوري عبر تمثيلية "أمل بالغد" عام 1963، لكن آلاف المشاهدين لن ينسوا روحه التي تسربت إليهم عبر شخصية "هيثم حقي" في مسلسل "الدغري". هناك، لم يكن يوسف حنا يمثل دوراً، بل كان يروي حكاية جيل كامل بأداء هادئ وعفوي لا يُصنع في المعاهد. يُقال عنه إنه جسد شخصيات لا تموت، من "الشريد" و"أسعد الوراق" إلى فيلم "رجال تحت الشمس"، حيث لم يكن يؤمن بـ"دور البطولة" بقدر إيمانه بـ"بطولة الدور".
ولأن القمر لا يُكسف حين يغيب، رحل يوسف حنا في ديسمبر 1993 وهو في ذروة عطائه، تاركاً أعمالاً لم تكتمل، وروحاً لا تزال تملأ قاعات المسرح الفارغة.
اليوم، ونحن نقف على كتف هذا العملاق، لنتذكر أن الإبداع الحقيقي لا يُقاس بعدد الجماهير التي صفقت لك، بل بعمق الأثر الذي تركته في قلوبهم حتى بعد رحيلك.