بعدَ الفَوات

عبد الكريم الناعم

تَمُرُّ بالدّارِ ذكرى وهْيَ غافيَةٌ
يامُوقِظَ الحُزْنِ لا أَوْقَظْتَ ذكراها
أَمشي على طَلَلٍ في الروحِ مُلْتَبِسٍ
فَتَسْتَبينُ الرّؤى في الدّار أشْباها
تلكَ الجُذاذاتِ ماكنّا نُعَبِّرُها!
ما كانَ أَلْطَفَها ما كانَ أشهاها
رَفَّتْ سنونوّةٌ جاءَ الرّبيعُ بها
وغادرتْ وخريفُ العُمْرِ مَجلاها
ألبحرُ فيها على أمدائه انْسَكَبَتْ
فيه السّماواتُ خلجاناً وأمواها
بعضُ السّفائنِ تَجري وهْيَ مُتْرَعَةٌ
وبعضُها أَسْلَمَتْ للشَطِّ مَرْساها
ولِلجزائرِ صَمْتٌ في تَوَحُّدِها
أَعْيا العناوينَ أُخراها وأُولاها
تلكَ القناديلُ في الأمداءِ طافيَةٌ
مَنْ كانَ أَوْقَدَها بالأمسِ.. أطفاها
مَنْ عَلَّمَ الماءَ أنْ يمحو كتابتَهُ؟!
مَنْ عَلَّمَ الرّيحَ أنْ تعنو لِمَرْماها؟!
مَنْ أَوْدَعَ الذّكرياتِ البيضَ رائحةً
مِن طَيِّبِ الوَجْدِ في الأعماقِ أَجْراها؟!
مَنْ رَنَّ في الرّوح أجراساً على سُبُلٍ
سِرْنا عليها كَأنّا ما مشيناها؟!
تَمُرُّ بالدّار، أَهْيَ الدّارُ أَبْهَظَها
بُعْدُ المسافاتِ، أمْ كنّا وَهِمْناها؟!
أَيْنَ الذينَ على سُمّارِها اشْتَعَلوا
فمالَ صَنْجٌ إلى أقصى حناياها؟!
أَيْنَ الأفانينُ رَيّا في تَلَفُّتِها
جُنَّتْ، تَداخلَ أَدْناها بِأَعْلاها؟!
والكأسُ مُشْرَعَةٌ، ما تَشْتَكي عَطَشاً
سبحانَ مَن بالمَذاقِ العَذْبِ رَوّاها
والشِّعْرُ ضَيْفٌ لطيفٌ، كلّما الْتَفَتَتْ
إليهِ قافيَةٌ.. اَصْغى فَغَنّاها
مَرَرْتَ بالدّار
أَمْ جاءتْكَ سانِحَةٌ
مِنْ غامِضٍ
حينَ أَدْمَتْها
زواياها؟!!
طرطوس في 22/4/2005