كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مقام صغير.. يلمّ شتاتنا

ريتا خير بك

بالأمس، شبان علويون في مقام صغير على ساحلنا اشعلوا بخورا لي… وانا في شمال الارض.
كيف يمكن لموقد بخور في زاوية حجرية ضيقة، ان يقطع المسافة كلها؟ كيف يمكن للدخان ان يكون يدا تمتد عبر البحر والثلج، وتقول لك: لا تخافي… انت منا؟
انا لا اتكلم هنا عن طقس. اتكلم عن لغة سرية لا تُكتب. عن اخوة لا تحتاج الى قسم. عن “اولاد عم” ليست قرابة دم فقط، بل قرابة مصير. عن (وا ضيعة) تصير فجأة اسمنا الكامل حين يضيق علينا الاسم. عن قافنا الثقيلة… القاف التي لا تخرج من الحلق فقط، بل من تاريخ كامل. عن لهجتنا التي تحمل الملح، وماء العيون، الساحل حين يسمع كلمة “علوي” من فم غريب.
المقامات ليست اماكن عبادة فقط. المقامات وجداننا.
هي طفولتنا حين كانت الدنيا ابسط، وحين كان الخوف لا يزال صغيرا ولم يتعلم بعد كيف يصير دولة وشارعا واتهاما. هي ثوب جدتنا، ورائحة صابونها، ويديها وهما تُقوّمان كتفيك قبل ان تدخلي. هي انحناؤنا عند الباب… ليس انحناء لهيبة حجر، بل انحناء لتواضعٍ تعلمناه قبل ان نعرف معنى التواضع.
انا تعلمت دخول المقام من جدتي.
علمتني كيف اخفّض صوتي قبل ان اخفّض رأسي. كيف ادخل كأنني ادخل على قلبي. كيف اقبّل الحجر لا لأن الحجر مقدس بذاته، بل لأن يد الجدات مرت عليه، ولأن صدورنا خبأت فيه ما لم تستطع ان تقوله في البيوت. علمتني كيف اخذ “خلعة” وافهم، من دون شرح، ان الخلعة ليست قماشا… هي اعتراف: انتِ محمولة. انتِ موجودة. انتِ لستِ وحدك.
كم منا ذهب للمقامات يوما؟
كم منا يعرف ذلك الحيز الوحيد الذي كنا فيه “نحن” فقط… بلا تبرير، بلا دفاع، بلا شرح للآخرين؟ في المقام كنا نستعيد نفسنا كما هي: علويين فقط. لا كشتيمة، لا كذريعة، لا كملف سياسي. علويين كما كانت جداتنا يقلنها بهدوء، كأنها اسم ماء.
لهذا، حين اشعلوا البخور لي… شعرت انهم لم يشعلوه لشخصي. اشعلوه لشيء اكبر مني: للصلة التي يريدون قطعها بيننا. للوتر الذي كلما شدّوه، حاول ان يصرخ بدلنا. اشعلوه كي لا ينقطع الخيط بين شمال الارض والساحل… بين الغريب وبيته… بين العلوية التي تمشي في العالم بقلب مستعار، وبين اولاد عمها الذين صاروا فجأة وطنها الوحيد.
انا اخجل من محبتهم.
اخجل لانني اقف احيانا امام هذا الود كطفلة لا تعرف كيف ترد هدية اكبر من عمرها. اخجل لانني اعرف انهم هم من يحتاجون ان نكون لهم سندا، ومع ذلك يرسلون اليّ عزاءً ودفئا، كأنهم يقولون: خذي من رئتنا نفسا… وخذي من مقامنا ظلّا.
يا اولاد العم…
يا شباب المقام الصغير…
انا لا اعرف كيف اشكركم. لكنني اعرف ماذا فعلتم بي: جعلتموني اتذكر اننا لم نكن يوما افرادا متفرقين. كنا عائلة كبيرة تاهت في الدولة و الحرب والاتهام والذل، ثم عادت تُعرّف نفسها برائحة بخور، وبقافٍ لا تخجل، وبانحناءة عند باب مقام.
الناس يظنون ان المقامات حجارة.
لا المقامات هي الامهات حين كنّ يهمسن لنا: “ادخلي بهدوء.”
هي الجدات حين كنّ يعلمننا ان الضعف ليس عيبا، وان البكاء ليس خيانة.
هي الحيز الذي لا يراك فيه احد لتتقمص دورا… فتكون كما انت.
انا ابكي لانني، منذ زمن طويل، لم اشعر ان هناك مكانا يتسع لاسمنا دون ان يجرحنا.
وابكي لان بخورا واحدا من الساحل جعلني افهم: مهما ابتعدنا، ما زال هناك باب منخفض، نتعلم ان ننحني له… لا خوفا، بل تواضعا للحقيقة التي لا تموت: نحن بعضنا.
رسالتي هي الوحدة.
وحدة الشعور والروح. وحدة “نحن” التي لا تُختزل بحزب ولا بخطاب ولا بزعيم.
ان نتعرف لبعض. ان نحب بعض. ان نعود… لا الى الماضي، بل الى الانسان فينا قبل ان تلتهمه الكراهية.
ولمن اشعل البخور لي في مقام صغير في ساحلنا:
انتم لم تضيئوا بخورا… انتم اعدتم لي بيتا. 
 رابط الفديو المرافق 
https://www.facebook.com/100001818713666/videos/pcb.33083393254637872/1560193365324749