كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جمال سليمان وأيمن زيدان.. “بوح” الخصوم!

زياد عدوان

كانت هناك مسافة (سورية)، جعلت من هذا التضادّ أو العداء أحياناً بين أيمن زيدان وجمال سليمان، حالة مألوفة في سوريا، سواء في المشهد الثقافي والفنّي، أو الاقتصادي والعسكري والأمني على حدّ سواء. وطوال عقود سبقت الانقسام السوري قبل 2011، بنى السوريون تصوّرات عن خصومات كثيرة في الأوساط الأدبية والفكرية والفنّية.

******

لم يكن أيمن زيدان وجمال سليمان “عدوّين” كما نعرف نحن السوريين العداء. ولكن لعقود كان النجمان على طرفين متباعدين، وتناقل السوريون (أو ما يسمّى الوسط الفنّي في سوريا) مواقف الخصومة والازدراء بينهما، ليتحوّل التنافس إلى تكريس لـ”الشللية” والكراهية و”عداوة الكار”، وازدادت المسافات إثر المواقف السياسية المتباينة بعد 2011.

تطرّق النجمان  إلى العديد من المواضيع الكاشفة والعاطفية والمهنية وإلى الخصومة بينهما في بودكاست “أثر”، حين استضاف أيمن زيدان جمال سليمان.كان الحوار مفاجئاً بين اسمين نُسجت حولهما لسنوات عديدة تلك النمائم والمواقف والعداوات، بما يوحي أن النجمين لن يتحاورا يوماً، ولن يجلسا إلى مائدة واحدة. 

تلازم المسارات

الغريب أن هناك الكثير من نقاط الالتقاء بينهما منذ كانا تلميذين في الصفّ نفسه بقسم التمثيل في المعهد المسرحي بدمشق، ومن بعدها ظلّ المساران متشابهين: جدارة النجومية، الهمّ الوطني والفنّي، مسلسلات رفيعة المستوى، مشاريع ذات شرعية نخبوية وشعبية، وانخراطات سياسية بتجربة نيابية لأيمن زيدان في مجلس الشعب، وحضور بارز لجمال سليمان في أجسام المعارضة بعد 2011، بالإضافة إلى روايات عديدة عن نزعات التحكّم والتعالي، والكلام الكثير عن علاقة الاثنين بقنوات الحكم في سوريا قبل 2011: أيمن زيدان وإدارة شركات إنتاج مرتبطة بالسلطة وعبد الحليم خدّام، وجمال سليمان وعلاقاته الشخصية مع بعض رجالات النظام السابق. 

كانت تلك العلاقات كفيلة بتضخيم مكانتيهما ونفوذيهما المبنيين أساساً على استحقاق الموهبة والمشاريع المتميّزة. وربما كان يمكن الطموح بمشاريع مشتركة بينهما تسندها معرفتيهما وخبرتيهما، ومدعومة مادّياً وحتى رقابياً ربما. ولكن لا أعرف إن كان ذلك قد خطر ببال أحد، أم أن الخصومات كانت تجعل التفكير في خطوات تشاركية كهذه ضرباً من الخيال. 

بعيداً عن الشائعات، وللتقرّب ممّا هو ملموس وأكثر وضوحاً، كان للنجمين حضور متميّز في المسلسلات التلفزيونية والمسرح والسينما. وكان واضحاً أيضاً الالتفات إلى الأجيال الجديدة وخرّيجي قسم التمثيل في المعهد المسرحي في دمشق. 

ظلّ جمال سليمان قريباً من قسم التمثيل وقام بتدريس وتخريج أسماء بات لها صداها في المسرح والمسلسلات السورية. وبمسار موازٍ، ظلّ أيمن زيدان قريباً من الخرّيجين، وكانت مسرحياته، ومن بعدها مسلسلاته، بوّابة تعرّف الجمهور الواسع إلى أسماء ممثّلين أصبحوا الآن نجوماً.  

وباستعادة سنواتي القليلة في سوريا، كان الممثّلان من أكثر الفنّانين الذين سُعدت بالحديث معهم أو حضور بروفاتهم المسرحية وحصصهم التدريسية. وبالفعل، يمتلئ الحديث مع الاثنين بالكثير من الغنى والظرافة والمعرفة والآراء اللافتة للنظر في المسرح والحياة العامّة.

ولكن، ومع كلّ التشابه بين النجمين لم تشفع مسيرتاهما الفنّيتان والاجتماعيتان والسياسيتان كي يلتقيا، خاصّة بعد أن أخذا موقفين متضادّين من الاحتجاجات السورية في عام 2011. ولكن ما ميّز الاثنين فعلاً هو الهدوء والاتّزان في التعبير عن آرائهما. بقي الاسمان بعيدين، وامتلأت المسافة بينهما بتخمينات وتأويلات أن ما بينهما هو أكثر من مجرّد تنافس و”عداوة كار”. 

خصومات سورية

كانت هناك مسافة (سورية)، جعلت من هذا التضادّ أو العداء أحياناً، حالة مألوفة في سوريا، سواء في المشهد الثقافي والفنّي، أو الاقتصادي والعسكري والأمني على حدّ سواء. وطوال عقود سبقت الانقسام السوري قبل 2011، بنى السوريون تصوّرات عن خصومات كثيرة في الأوساط الأدبية والفكرية والفنّية ، بين نجدت أنزور وهيثم حقّي، بين سعد الله ونّوس وممدوح عدوان، بين محمّد ملص وأسامة محمّد، والقائمة تطول لتصل إلى المؤسّسات وحالات التضادّ والعداء بين وزارة الثقافة واتّحاد الكتّاب العرب، والمسرح القومي والمسرح التجاري، وقسم الدراسات المسرحية وقسم التمثيل في المعهد المسرحي والقائمة تطول أيضاً، ويمكن لنا الوصول إلى العداء غير المنتهي بين سوريي الداخل وسوريي الخارج.

وبالفعل، كانت المواقف العدائية بين هذه الأسماء واضحة، وتناقلت المجالس والمقاهي الكثير من الازدراء والعداء والتدخّل في مواضيع شخصية عن حياتهم الخاصّة للإدانة، دون أن نعرف على سبيل المثال ما هي المشكلة الحقيقة بين عدوان وونّوس؟ وما هي الآليّات التي تنتج جماعة (أو مريدين) لهذا الاسم أو ذاك؟ وكيف ينتقل التبجيل من الإنتاج إلى الذوات؟ ومتى أصبح استمداد القيمة الذاتية معتمداً على هويّة الخصم أو العدوّ وعلى طرق  الانتقام والأذى؟ 

أخذت تلك التوتّرات أبعادها وانتقلت بعض المعارك إلى العراك بالأيدي بين فنّانين وكتّاب ومخرجين داخل المنشآت الثقاقية، مثل دار الأوبرا، ومسرح الحمرا، والمعهد العالي للفنون المسرحية، ومواقع التصوير. بدا الأمر وكأن حالات التضادّ والعداء هي الأمر العادي، ولكن ما بدا حالة طبيعية كان في الواقع يجري في بلد غير طبيعي. 

تعدّدت الأسباب والحرب واحدة

في الشتات الأوروبي أو في الدول الخليجية على سبيل المثال، يشكتي السوريون عموماً أن السوريين الآخرين لا يساعدونهم، بينما يساعد المصريون والإنكليز واللبنانيون والجنسيات الأخرى بعضهم بعضاً. وبالفعل، عندما ذهبت إلى الخليج كانت الجنسيات تلتفّ على بعضها بعضاً، بينما يتنافر السوريون في حالات من الخصام، قد تبدو في كثير من الأحيان صبيانية، وفي أحيان أخرى جذرية وعميقة.

هذا ما لاحظه الخليجيون عن السوريين أيضاً، وهو ما لاحظه العالم عند تشرذم المعارضة السورية وأشكال القطيعة والعداء بين أطرافها خلال استحقاق الربيع العربي.

انشغلت طويلاً في البحث في جذور العداء هذا، وتطول الأسباب لفهم هذه الظاهرة السورية. هناك العديد من الأسباب التي عملت عليها أكاديمياً ضمن النطاق المسرحي (التي لا يتّسع المجال هنا لشرح ديناميكياتها)، ولكن من هذه الأسباب موضوع هندسة المجتمع من قِبل الديكتاتوريات (قومية أو دينية أو اشتراكية أو عسكرية)، ومسألة الحياة تحت ظلّ الطوارئ لعقود، والأسباب المتعلّقة بحالة اللاحرب واللاسلم مع إسرائيل، وهناك “الإيغو” وتمجيد الذات عبر ذمّ الآخرين ونفي شرعيتهم.

وتتشابه الحياة السورية مع الحياة تحت الديكتاتوريات الاشتراكية. ففي يوميات هذه الحياة وشعاراتها، يتطابق خطاب السلطة مع خطاب النخب الفنّية والفكرية والأدبية في الكثير من القضايا. الجميع متطلّع إلى العدالة والدعوة إلى الاشتراكية ومناهضة الابتذال الرأسمالي، والتضامن مع الدول المقهورة. وفي سوريا تطابقوا أيضاً حول العروبة وتحرير فلسطين ورفض الكيان الصهيوني، وفي الوقت الذي يفشل البلد في الوصول إلى الأهداف والرغبات المشتركة بين الدولة والنخب والشعب، يصبح الكلّ مداناً، وتبدأ حالات الفصام. 

عداوات الدول الصغيرة 

في عام 2002، بدأت في لندن أولى خطواتي في عالم التمثيل. وكما هو معتاد في خطوات الدخول إلى هذا العالم، ارتبطت بوكالة ممثّلين. وفي إحدى الزيارات إلى الوكالة وفي حديث ودّي مع وكيلتي أخبرتها عن نيّتي للذهاب إلى سوريا والبقاء هناك لعدّة أشهر عندما اشتدّ المرض بوالدي. 

شجّعتني الوكيلة على الذهاب، واقترحت أن أفكّر بالتمثيل في إحدى المسلسلات السورية ذات السمعة الطيّبة. تردّدت وقلت لها: “لست متأكّداً، أشعر أن العمل هناك ممتلئ بالفساد”. رفعت الوكيلة عينيها عن الأوراق بين يديها، ونظرت إليّ وقد تغيّرت نبرتها من الدردشة إلى الاستنكار الساخر قائلة: “ماذا! هل تعتقد أن هوليوود غير فاسدة؟!”، تفاجأت، ولم يكن لدي ما أقوله. 

لم أدرك وقتها أن أحد الفروقات عن هوليوود التي تُسهم في تعميق حالات التناحر بين السوريين، هو أن سوريا بلد صغير. عدا كون الدول الصغيرة “مجروحة بكرامتها” أمام هيمنة الجيران الكبار، تجعل البلدان الصغيرة العلاقات الاجتماعية والمصالح متقاربة ومتشابكة. 

في الدول الصغيرة عادة، يمكن للكثير من العاملين في الفنّ والتجارة والقطاعات الأخرى، أن يتقاطعوا بعلاقات شخصية أو معارف مشتركة، وقد يتقاطعوا أيضاً حتى مع أشخاص في مواقع الحكم، وعندما يتعلّق الأمر بأشخاص يعملون في الحقل نفسه، يصبح من السهل معرفة تفاصيل كثيرة تخصّ أبناء المهنة، إلى  الحدّ الذي سمعت فيه مرّة أحد الممثّلين ينتقد ممثّلاً آخر لأنه لا يجلب الخبز إلى منزله، ويترك هذه المهمّة لوالدته.

منذ كنت طفلاً، شهدت العديد من الجلسات التي حضر فيها كتّاب ومخرجون وممثّلون وصحافيون وشعراء وكانت مذهلة بحالات الازدراء والعداء، وبيتنا لم يكن الوحيد. كان هذا الوضع العامّ في البيوت الأخرى والمقاهي، وترديد عبارات رنّانة، مثل: “القصة قصة مبدأ” و”لا لا أنا ما بحكي معه”، ومن ثم التلاسن والبذاءات والعراك بالأيدي الذي وصل إلى المنشآت الثقافية. 

شكّل السوريون لعقود مرجعيات معرفية وفنّية مترافقة بأنساق من التنافر والعداوات، تمّ توريثها للأجيال اللاحقة كمن يورث “رسالة خالدة”، ولكنّ الرسالة هذه المرّة ملأى بالعداوات والرفض ونزع الشرعية. 

قد أكون متسرّعاً بالحكم، ولكن كانت الخصومات التلفزيونية أسهل وأكثر دبلوماسية أمام شراسة الخصومات المسرحية والصحافية والسينمائية والأدبية. ربما كان الأمر بسبب عجلة الإنتاج السريعة، التي لا تعطي المجال للاسترسال بهذه العداوات، وربما يكون حكمي متسرّعاً من الأساس. 

ولكن ومن دون شعارات عن ضرورة الحوار، كان النجمان التلفزيونيان سبّاقين للخطو نحو  الحوار، وتمّت إدارة الحوار بودّ، ليرتقي الاثنان بتوصيف التنافس بينهما كدافع بدلاً من غيرة هدّامة، واستبدال ما دار بينهما من كلمة “الشللية” إلى “مجموعات عمل متجانسة ومتفاهمة، نشعر بالإنتاجية والراحة مع مخرجين وممثّلين معيّنين”، ومع ذلك لم ينكر الاثنان كيف انتقل التنافس بينهما إلى “حساسيات وتناحر وجفاء وخناقات وخلافات وأذى”. 

قدّم البودكاست جرعة من الأمل والتفاؤل وإمكانية الوصول إلى حوار يتحوّل إلى شهادة وبوح ومراجعة واستفزاز للأفكار القيّمة. كان يمكن للبودكاست بعد هذا التاريخ والدماء التي سالت في سوريا، أن يتحوّل إلى رمي تهم على شاكلة الحوارات المتعاكسة الاتّجاه، ولكنّه خرج بهدوء وظرافة ورغبة من الاثنين في نقل تجربتيهما، وخطوة للترفّع عن الخلافات وتجاوزها.

تفاوتت التفسيرات واتّسعت التخمينات التي أرادت أن تفهم الودّ بين هذين النجمين بالذات، ولكن لا بدّ من فرد المساحة للنوايا الطيبة. سمعت الكثير من الأقاويل حول إجبار الاثنين من قِبل أطراف أخرى غامضة، على الحوار، كما استطرد البعض أنها أوامر إنتاجية. قد تكون هناك اتّفاقات، وقد تكون هناك أوامر إنتاجية، وإن كان الأمر كذلك فعلاً فـ:”كتير خيركم!”.

درج