إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء

نضال كامل

ليست اللحظات التاريخية الكبرى تلك التي يتغير فيها شكل السلطة فقط، بل تلك التي يتغير فيها شعور الجماعات بذاتها. فحين يسقط نظام سياسي، لا يسقط معه جهاز حكم فحسب، بل تسقط أيضاً منظومة كاملة من الإحساس بالأمان، والاعتياد، والتمثيل، والخوف، والرهان على المستقبل. وهذا ما يجعل المرحلة الراهنة، بالنسبة إلى العلويين، أعمق من مجرد انتقال سياسي أو اضطراب أمني. إنها لحظة انكشاف جماعي أمام سؤال الوجود.
في مثل هذه اللحظات تميل الجماعات إلى البحث عن قيادة. وهذا الميل مفهوم من الناحية النفسية والاجتماعية. فالقيادة تمنح شعوراً بالترتيب وسط الفوضى، وتخلق وهماً مؤقتاً بأن الخطر يمكن السيطرة عليه من خلال شخص أو نخبة أو مجلس أو مرجعية. غير أن السؤال الأكثر عمقاً هنا هو: هل القيادة ممكنة أصلاً في هذه المرحلة؟ وهل هي الشرط الأول فعلاً لخروج العلويين من مأزقهم؟
يبدو أن الجواب ليس بهذه البساطة. فالعلويون، بوصفهم كتلة بشرية خرجت لتوها من عباءة نظام كان يمنحها، ولو جزئياً، شعوراً بالحماية، لا يملكون اليوم شروط إنتاج قيادة جامعة. فالقيادة لا تنشأ بمجرد الحاجة إليها، بل تحتاج إلى شرعية اجتماعية، ومؤسسات وسيطة، وثقة داخلية، وتصور مشترك للمستقبل. وهذه العناصر تبدو اليوم إما غائبة أو متصدعة أو قيد التشكل.
ولهذا فإن البحث المتسرع عن قيادة قد يتحول إلى خطأ بنيوي. فقد ينتج قيادات متنازعة قبل أن ينتج مشروعاً، أو رموزاً متقدمة على وعي الجماعة بذاتها، أو تمثيلاً هشاً لا يستند إلى توافق عميق. فالجماعة التي لم تجب بعد عن سؤال: من نحن؟ لا تستطيع أن تجيب بوضوح عن سؤال: من يمثلنا؟
من هنا يبدو أن المسألة الأولى ليست القيادة، بل إعادة التأسيس.
---
إن سؤال "من نحن؟" هو السؤال الأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة. لكنه أيضاً السؤال الأكثر صعوبة. فالهويات لا تكون خطيرة حين تكون واضحة، بل حين تكون معلقة بين سرديات قديمة لم تعد كافية، وواقع جديد لم ينتج بعد لغته الخاصة.
لقد عاش العلويون طويلاً داخل سرديات متوارثة: سردية الجماعة المغلقة، سردية الاضطهاد، سردية الخصوصية، سردية الحماية، وسردية الاندماج في الدولة الحديثة عبر الجيش والتعليم والإدارة. غير أن هذه السرديات، على أهميتها التاريخية، لم تعد قادرة وحدها على تفسير اللحظة الحالية أو توجيه المستقبل.
فالسردية الموروثة قد تحفظ الذاكرة، لكنها لا تكفي لصناعة مشروع. والذاكرة إذا لم يعاد تأويلها تتحول إلى عبء. لذلك يحتاج العلويون اليوم إلى انتقال نوعي من الهوية بوصفها ميراثاً إلى الهوية بوصفها وعياً نقدياً. أي من سؤال: ماذا ورثنا؟ إلى سؤال: ماذا نستطيع أن نصنع بهذا الإرث؟
وهنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى. فالعلويون لا يستطيعون التخلي عن ذاكرتهم لأن الذاكرة هي أحد شروط استمرارهم، لكنهم لا يستطيعون البقاء داخلها كما هي لأنها صيغت في زمن لم يعد قائماً. المطلوب إذاً ليس هدم السرديات القديمة، بل إخضاعها لقراءة جديدة. قراءة تميز بين ما هو حي وقابل للتجدد، وما هو دفاعي نشأ تحت ضغط الخوف، وما هو رمزي يمكن تحويله إلى قيمة فكرية وثقافية معاصرة.
إن الهوية التي لا تعيد تفسير نفسها في كل مرحلة تاريخية تتحول إلى قوقعة. والقوقعة قد تحمي الكائن مؤقتاً، لكنها تمنعه أيضاً من الحركة.
---
لكن إعادة تعريف الذات لا تكفي ما لم تقترن بفهم دقيق لمصادر القوة. فالجماعات المهددة كثيراً ما تخطئ حين تبحث عن القوة في الأماكن القديمة: في السلطة، أو السلاح، أو الحماية الخارجية، أو الذاكرة البطولية. بينما تكشف التحولات الكبرى أن القوة الحقيقية لجماعة صغيرة لا تكمن غالباً في قدرتها على السيطرة، بل في قدرتها على التنظيم، وإنتاج المعرفة، وبناء التحالفات، وصناعة الرواية.
المصدر الأول للقوة العلوية هو الجغرافيا المتصلة نسبياً. والجغرافيا هنا لا تعني الأرض بالمعنى الفيزيائي فقط، بل المجال الاجتماعي المتماسك الذي يتيح استمرار اللغة والعادات والذاكرة والعلاقات الأهلية. فالجماعة التي تمتلك مجالاً جغرافياً متصلاً تمتلك قدرة أعلى على إعادة تنظيم ذاتها، مقارنة بجماعات تعرضت لتشظٍ كامل في المنافي أو المدن الكبرى.
لكن الجغرافيا يمكن أن تكون نعمة أو فخاً. تكون نعمة إذا تحولت إلى قاعدة لإنتاج المجتمع والمؤسسات والتعليم والتضامن. وتصبح فخاً إذا تحولت إلى عزلة مغلقة أو شعور زائف بالاكتفاء. فالأرض لا تحمي من لا يملك مشروعاً عليها. والجبل لا يصون من لا يملك لغة للمستقبل. ولهذا فإن الجغرافيا العلوية لا ينبغي أن تفهم كملاذ دفاعي فقط، بل كفضاء لإعادة البناء.
أما المصدر الثاني فهو رأس المال المعرفي. فقد راكم العلويون خلال العقود الماضية حضوراً واسعاً في التعليم والجامعات والمهن الحديثة. وهذا الرصيد ليس تفصيلاً اجتماعياً، بل عنصر بقاء استراتيجي. ففي عالم اليوم، لم تعد الجماعات الصغيرة تقاس بعددها فقط، بل بكثافة تعليمها، وبقدرتها على إنتاج الخبراء، والأطباء، والمهندسين، والأكاديميين، والمثقفين، ورواد الأعمال.
إن التعليم، في حالة الجماعات المهددة، يتحول من وسيلة ترقٍّ فردي إلى آلية دفاع جماعي. فالطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والباحث والمبرمج والصحفي ليسوا أفراداً ناجحين فحسب، بل هم أجزاء من شبكة بقاء. وكل طالب يتم إنقاذه من الانقطاع، وكل فتاة تكمل تعليمها، وكل شاب ينتقل من الخوف إلى المعرفة، هو استثمار في استمرار الجماعة ذاتها.
لكن رأس المال المعرفي لا يتحول إلى قوة إلا إذا نُظّم. فوجود المتعلمين وحده لا يكفي. المطلوب تحويل المعرفة الفردية إلى مؤسسات: منح دراسية، صناديق دعم، مراكز أبحاث، أرشيفات رقمية، منصات تعليمية، شبكات مهنية، ومبادرات ثقافية. فالمعرفة غير المنظمة تبقى إنجازاً فردياً، أما المعرفة المنظمة فتصبح قوة تاريخية.
---
المصدر الثالث للقوة هو الانفتاح على الآخرين، لا بوصفه موقفاً أخلاقياً فقط، بل بوصفه ضرورة وجودية. فالجماعات الصغيرة لا تستطيع أن تعيش بمنطق الانغلاق الكامل، لأنها لا تملك شروط الاكتفاء الذاتي. كما لا تستطيع أن تعيش بمنطق الذوبان، لأنها تفقد خصوصيتها. لذلك فإن الاستراتيجية الأكثر نضجاً هي بناء تحالفات اجتماعية وثقافية ومدنية مع كل القوى التي تخشى بدورها من منطق الإقصاء والتطرف.
وهنا ينبغي توسيع مفهوم الأقليات. فالأقلية ليست دائماً أقلية عددية أو مذهبية. في بلد تهيمن عليه السلفية الجهادية أو الخطابات المتشددة، يصبح السنّي المدني، والعلماني، والمثقف، والمرأة الحرة، والمسيحي، والدرزي، والإسماعيلي، وكل من يرفض اختزال المجتمع في قراءة دينية مغلقة، جزءاً من أقلية معنوية واسعة. هذه الأقلية العابرة للطوائف هي الحليف الطبيعي لأي مشروع إنقاذ وطني.
ولذلك فإن العلويين لا يحتاجون إلى خطاب يخاطب العلويين وحدهم. يحتاجون إلى خطاب يفهم خوفهم، لكنه لا يحبسهم داخله. خطاب قادر على القول: إن الدفاع عن العلويين ليس دفاعاً عن جماعة ضد جماعة، بل دفاع عن فكرة التعدد نفسها. فمن يهدد العلوي اليوم، قد يهدد المسيحي غداً، والدرزي بعد غد، والسنّي المختلف في اليوم التالي.
بهذا المعنى، لا يكون الانفتاح تنازلاً عن الهوية، بل حماية أعمق لها. فالهوية التي تتحالف مع قيم الحرية والتعدد والكرامة تصبح أوسع من حدودها المذهبية، وتتحول من هوية دفاعية إلى هوية أخلاقية وثقافية.
---
المصدر الرابع للقوة هو القدرة على إنتاج الرواية. وهذه نقطة بالغة الأهمية في عصر الإعلام الرقمي. فالجماعات لا تستهدف اليوم فقط بالسلاح، بل بالصور، واللغة، والتوصيفات، والوسوم، والمقاطع المجتزأة، والاتهامات المعممة. ومن لا يروي قصته بنفسه سيجد نفسه موضوعاً في قصة كتبها خصومه.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مركزية لتشكيل الوعي العام. ولم يعد التأثير حكراً على الأحزاب أو الصحف أو الدول. صفحة منظمة، قناة معرفية، أرشيف موثق، منصة تحليلية، شبكة مترجمين، أو مركز رصد، قد تصنع أثراً يتجاوز أثر مؤسسة تقليدية كبيرة.
لكن المطلوب هنا ليس إعلاماً انفعالياً أو خطاب مظلومية متكرراً. المطلوب هو بناء مراكز تأثير رقمية ذات طابع معرفي وحقوقي وثقافي. منصات توثق الانتهاكات بلغة مهنية، وتشرح التاريخ بلغة عقلانية، وتنتج محتوى بصرياً راقياً، وتخاطب الداخل والخارج بلغات متعددة. فالرواية التي لا تملك أدوات العصر تموت مهما كانت عادلة.
---
أما المصدر الخامس فهو المرأة العلوية. وهذه ليست قضية اجتماعية هامشية، بل واحدة من أهم نقاط القوة الحضارية. فالمرأة العلوية، في كثير من البيئات، تمتلك حضوراً واضحاً في التعليم والعمل والحياة العامة. وهذا الحضور يمنح المجتمع العلوي طاقة إضافية لا تملكها المجتمعات التي تحيد المرأة جزئياً أو كلياً عن المجال العام.
في المجتمعات الحديثة، لا يمكن لجماعة أن تدخل المستقبل بنصف طاقتها. والمرأة المتعلمة والمستقلة ليست مجرد فرد ناجح، بل حاملة لقيم جديدة داخل الأسرة والمجتمع: قيم التعليم، والانفتاح، والاستقلال، والنقد، والجرأة على المشاركة. إنها لا تربي أبناء فقط، بل تربي تصوراً مختلفاً عن الحياة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة. ففي مواجهة بيئات أصولية تميل إلى تقليص حضور المرأة، يمكن للمرأة العلوية أن تكون أحد وجوه التفوق الأخلاقي والاجتماعي. لا بمعنى الصراع مع الآخر، بل بمعنى تقديم نموذج مختلف للمجتمع: نموذج لا يخاف من المرأة، ولا يرى حريتها تهديداً، ولا يعتبر حضورها العام خروجاً على النظام الاجتماعي.
إن تمكين المرأة العلوية ليس ترفاً حداثياً، بل شرط من شروط البقاء. فالجماعة التي تسمح لنسائها بأن يكنّ فاعلات في التعليم والإعلام والثقافة والعمل الأهلي، تضاعف قدرتها على الصمود والتجدد.
---
من كل ذلك يتضح أن السؤال عن القيادة، رغم أهميته، ليس السؤال المركزي اليوم. فربما تكون القيادة في هذه المرحلة نتيجة لا مقدمة. أي أنها ستولد لاحقاً من رحم مشروع معرفي واجتماعي واضح، لا من فراغ الخوف والارتباك.
فالقيادة التي تسبق الوعي تتحول غالباً إلى زعامة. أما القيادة التي تنشأ بعد الوعي، وبعد الحوار، وبعد تشكل المؤسسات، فقد تتحول إلى تمثيل حقيقي.
لذلك يحتاج العلويون اليوم إلى ما هو أعمق من قائد: يحتاجون إلى وعي جماعي جديد. وعي يدرك الخطر بلا هلع، ويقرأ الماضي بلا تقديس، وينفتح على الآخر بلا ذوبان، ويثق بالمرأة، ويستثمر في التعليم، ويحول الجغرافيا إلى قاعدة بناء، والرواية إلى قوة، والهوية إلى مشروع.
إن المرحلة القادمة لن يسأل فيها التاريخ العلويين فقط عما إذا كانوا قد نجوا. بل سيسألهم: ماذا فعلتم بنجاتكم؟
وهذا هو السؤال الأصعب.
فالبقاء ليس مجرد استمرار بيولوجي لجماعة في مكان ما. البقاء الحقيقي هو القدرة على إنتاج معنى جديد للحضور. وإذا استطاع العلويون أن ينتقلوا من الخوف إلى المعرفة، ومن الذاكرة إلى المشروع، ومن انتظار القيادة إلى بناء شروطها، فقد لا تكون هذه اللحظة نهاية مرحلة فحسب، بل بداية تأسيس تاريخي جديد.