المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
نضال كامل
من أكثر المفارقات إثارة في التاريخ الاجتماعي للعلويين أن المرأة بقيت، عبر قرون طويلة، خارج منظومة التعليم الديني التقليدي التي احتكرها الرجال. ويُقدَّم هذا الأمر عادةً بوصفه دليلاً على تهميشها وحرمانها من المعرفة الدينية. غير أن هذه القراءة تتجاهل سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا لو كان هذا الغياب، على مفارقته، أحد الأسباب التي سمحت للمرأة العلوية بأن تحتفظ بقدر من الحرية لم تعرفه المرأة في معظم المجتمعات الإسلامية التقليدية؟
إن القضية هنا لا تتعلق بحرمان من المعرفة، بل بالنجاة من نوع معين من المعرفة؛ معرفة لم يكن همها الأول بناء الإنسان الحر، بقدر ما كانت، في كثير من تجلياتها التاريخية، أداة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم، وفي قلبه سلطة الرجل على المرأة.
فالفقه لا يصنع الأحكام فحسب، بل يصنع أيضاً الإنسان الذي يحمل تلك الأحكام. إنه يعيد تشكيل وعي الفرد، ويحدد موقعه داخل المجتمع، ويرسم الحدود بين السلطة والطاعة، وبين من يحق له القيادة ومن يطلب منه الامتثال. ولهذا كانت المؤسسة الفقهية، عبر قرون طويلة، إحدى أهم مؤسسات إنتاج النظام الأبوي في المجتمعات الإسلامية التقليدية.
ومنذ طفولتها، كانت الفتاة تدخل هذا العالم الرمزي الذي يعرّفها قبل أن تعرّف نفسها. تتعلم أن الرجل هو القوام عليها، وأن طاعته فضيلة، وأن استقلالها مدعاة للريبة، وأن جسدها مصدر للفتنة ينبغي ضبطه، وأن رسالتها الأساسية هي الزواج والإنجاب وخدمة الأسرة. وهكذا لا يعود التعليم الديني مجرد تلقين للعقائد، بل يصبح عملية متواصلة لإنتاج امرأة ترى نفسها من خلال عين الرجل، وتقيس قيمتها بمقدار رضا المجتمع عنها، لا بمقدار تحققها الإنساني.
ومن هنا يمكن فهم مفارقة التجربة العلوية. فالمرأة بقيت، تاريخياً، خارج هذه المؤسسة. لم تتلقَّ ذلك البناء الفقهي الذي يعيد إنتاج التبعية، ولم تُربَّ، بالدرجة نفسها، على خطاب يجعل الرجل مركز العالم الاجتماعي والمرأة تابعاً له. ولا يعني ذلك أن المجتمع العلوي كان مجتمعاً مثالياً أو خالياً من مظاهر الذكورية، فهو، كغيره من مجتمعات الشرق، حمل كثيراً من البنى التقليدية. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين ذكورية اجتماعية يمكن أن تتغير مع الزمن، وذكورية تتحول إلى عقيدة مقدسة تكتسب حصانة النص، فيصبح الاعتراض عليها اعتراضاً على الدين نفسه.
ولعل هذا ما يفسر الشخصية التي عُرفت بها المرأة العلوية خلال القرن العشرين. فقد احتفظت بحضور اجتماعي قوي، وبقدر ملحوظ من الثقة بالنفس، وبعلاقة أكثر توازناً مع الرجل، وبمشاركة أوسع في التعليم والعمل والحياة العامة مقارنة بكثير من البيئات المحيطة. ولم يكن ذلك نتيجة مشروع تحرري منظم أو حركة نسوية، بل نتيجة غياب عملية التشكيل الفقهي التي أعادت، في أماكن أخرى، إنتاج المرأة بوصفها تابعاً للرجل قبل أن تكون إنساناً مستقلاً.
إن أخطر ما تنتجه المنظومات الفقهية المحافظة ليس الحجاب أو الفصل بين الجنسين، فهذه مظاهر خارجية، وإنما إنتاج وعي نسوي يقبل دونيته بوصفها حقيقة دينية. فعندما تؤمن المرأة أن نقصها إرادة إلهية، وأن الطاعة هي معيار فضيلتها، تتحول هي نفسها إلى حارسة للنظام الذي ينتقص منها، وتنقله إلى بناتها جيلاً بعد جيل. وهنا تبلغ السلطة ذروتها؛ حين يصبح الخاضع هو المدافع الأول عن أسباب خضوعه.
أما المرأة التي لم تُنشأ على هذا التصور، فإنها تمتلك فرصة أكبر لتكوين ذاتها بوصفها إنساناً كاملاً، لا تابعاً لأحد. ومن هنا تصبح الأم الحرة أحد أهم مصادر إنتاج الإنسان الحر. فالطفل لا يتعلم الكرامة من الكتب، بل يراها في البيت. والابن الذي يكبر أمام أم قوية، واثقة بنفسها، لا يتعلم أن المرأة كائن أدنى، بل يتعلم أن العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة هي علاقة شراكة واحترام. والبنت التي تنشأ أمام أم مستقلة لا تحتاج لاحقاً إلى من يقنعها بأنها تستحق الحرية، لأنها تكون قد عاشت هذه الحرية منذ طفولتها.
إن الأم الحرة ليست مجرد فرد داخل الأسرة، بل هي مؤسسة تربوية كاملة. فهي التي تغرس في أبنائها الثقة بالنفس، والاستقلال في التفكير، والقدرة على اتخاذ القرار، واحترام الآخر. ولهذا فإن أثرها يتجاوز حدود البيت ليصبح عاملاً في تشكيل الشخصية الجمعية للمجتمع كله. فكل جيل تربيه امرأة حرة يحمل، من حيث لا يشعر، شيئاً من حريتها إلى المجال العام.
لكن هذه الخصوصية بدأت تتعرض للتآكل خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، مع دخول بعض أنماط التدين الإمامي إلى أجزاء من المجتمع العلوي في ظل سياسات النظام السابق. ومع هذا التحول، تسربت تدريجياً تصورات أكثر محافظة تجاه المرأة، وبدأت بعض المظاهر والسلوكيات التي لم تكن مألوفة في البيئة العلوية تجد طريقها إلى المجتمع. ولم يكن أخطر ما في هذا التحول تغير المظاهر الخارجية، بل إعادة إدخال المرأة، ولو بصورة جزئية، إلى المنظومة الثقافية التي تقيس قيمتها بمدى امتثالها، لا بمدى اكتمال إنسانيتها.
واليوم، وفي لحظة تاريخية يواجه فيها المجتمع العلوي واحدة من أعقد أزماته، يبدو من الضروري إعادة النظر في مصادر قوته الحقيقية. فالقوة ليست السلاح، ولا السلطة، ولا الحنين إلى الماضي، بل الإنسان القادر على إعادة بناء نفسه. ومن هذه الزاوية، فإن المرأة العلوية الحرة ليست مجرد ظاهرة اجتماعية تستحق الإعجاب، بل تمثل واحداً من أعظم أشكال رأس المال الحضاري الذي راكمه هذا المجتمع عبر تاريخه.
إنها نقطة قوة لا تقل أهمية عن الجغرافيا، ولا عن التعليم، ولا عن الكفاءات العلمية التي يمتلكها أبناء المجتمع. بل لعلها تتفوق عليها جميعاً، لأن المرأة الحرة هي التي تصنع الإنسان الذي سيستثمر كل تلك الموارد. فهي التي تربي جيلاً لا يخاف المعرفة، ولا يرى في الحرية تهديداً، ولا يختزل المرأة في وظيفة بيولوجية أو اجتماعية، بل يعترف بها شريكاً كاملاً في بناء الحياة.
ولهذا، إذا كان المجتمع العلوي يبحث اليوم عن نقطة يبدأ منها مشروعه الحضاري الجديد، فربما لن يجد أثمن من هذه المرأة التي بقيت، عبر تاريخها، أقرب إلى إنسانيتها من كثير من نساء الشرق. إن الحفاظ على هذه الشخصية النسائية الحرة، وتعزيزها، ليس قضية تخص المرأة وحدها، بل هو استثمار مباشر في مستقبل المجتمع كله. فالأم الحرة لا تربي أبناءها على الطاعة العمياء، بل على الكرامة، ولا تنقل إليهم الخوف، بل الثقة، ولا تعلمهم الانغلاق، بل الانفتاح على الإنسان. ومن رحم هذه التربية وحدها يمكن أن يولد الجيل القادر على تجاوز مآسي الحاضر وصناعة مستقبل مختلف.