المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية

نضال كامل

إذا كان المقال السابق قد توقف عند المفارقة التاريخية التي أبقت المرأة العلوية خارج منظومة التعليم الديني التقليدي، فإن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا فعل هذا الغياب في داخلها؟ لا في موقعها الاجتماعي فقط، بل في بنيتها النفسية، وفي علاقتها بذاتها، وبجسدها، وبالرجل، وبالعالم.
فالتعليم الديني، في صيغته المحافظة، لا يكتفي بأن يعلّم المرأة ما يجوز وما لا يجوز، بل يتسلل أبعد من ذلك بكثير. إنه لا يقف عند حدود السلوك، بل يدخل إلى منطقة الوجدان، والرغبة، والخوف، والذنب، وصورة الذات. أي أنه لا يصنع امرأة مطيعة في الخارج فحسب، بل يسعى إلى إنتاج رقابة داخلية تجعل المرأة تراقب نفسها حتى في غياب الرقيب.
ومن هنا تأتي أهمية علم النفس التحليلي في فهم هذه المسألة. فالإنسان لا يعيش فقط بما يعرفه، بل بما ترسّب في أعماقه من صور مبكرة عن السلطة، والخطيئة، والجسد، والعقاب، والقبول، والرفض. وكل خطاب ديني محافظ لا يعمل فقط بوصفه نظاماً من الأفكار، بل بوصفه قوة نفسية تعيد تشكيل ما يمكن تسميته بـ"الأنا الأعلى"؛ أي تلك السلطة الداخلية التي تحاكم الإنسان من داخله قبل أن يحاكمه المجتمع من خارجه.
حين تنشأ المرأة داخل منظومة تقول لها، منذ طفولتها، إن جسدها فتنة، وصوتها عورة، ورغبتها خطر، واستقلالها تهديد، فإنها لا تتلقى أفكاراً عابرة، بل تتلقى صورة عن نفسها. تتعلم أن علاقتها بذاتها يجب أن تمر عبر الخوف. تخاف من جسدها، من نظرة الآخر إليها، من رغبتها، من حريتها، ومن قدرتها على الاختيار. ومع الوقت، لا تعود السلطة بحاجة إلى أن تقمعها دائماً، لأنها تكون قد استبطنت القمع، وحملته معها في داخلها.
هنا يصبح الخطر نفسياً قبل أن يكون اجتماعياً. فالمرأة لا تُسلب حريتها فقط، بل تُدفع إلى أن تشك في استحقاقها لهذه الحرية. وحين تبلغ هذه العملية مداها، لا تعود المرأة ترى القيود قيوداً، بل تراها فضيلة، ولا ترى الخضوع خضوعاً، بل تراه طهراً، ولا ترى إلغاء الذات إلغاءً، بل تضحية نبيلة. وهذا أخطر أشكال السيطرة: أن يتحول المنع إلى قناعة، والخوف إلى أخلاق، والطاعة إلى هوية.
أما المرأة التي نمت خارج هذا النمط من التكوين، فإن بنيتها النفسية تسلك مساراً مختلفاً. ليس لأنها تعيش خارج المجتمع أو خارج سلطة العادات، بل لأنها لم تتعرض بالدرجة نفسها لذلك الترويض العميق الذي يجعلها تخاف من إنسانيتها. لقد بقيت، في كثير من الحالات، أقرب إلى تلقائيتها الأولى، إلى إحساسها الطبيعي بذاتها، إلى حضورها الاجتماعي غير المعتذر، وإلى علاقتها الأقل توتراً بجسدها وصوتها ومكانها في العالم.
وهذا لا يعني أن المرأة العلوية كانت خارج النظام الأبوي تماماً، ولا يعني أنها عاشت حرية كاملة. فالمجتمع العلوي، كغيره من مجتمعات الشرق، حمل كثيراً من التقاليد الذكورية، ومنح الرجل امتيازات واضحة داخل الأسرة والمجال العام. لكن الفارق الأساسي أن هذه الذكورية لم تُحاط دائماً بالقداسة نفسها، ولم تُزرع في وعي المرأة بوصفها قدراً إلهياً لا يجوز التفكير فيه. كانت سلطة اجتماعية قابلة للمساومة أحياناً، لا سلطة لاهوتية مغلقة تحرم الاعتراض من شرعيته النفسية والأخلاقية.
ومن هنا نفهم جانباً من قوة الشخصية التي عُرفت بها المرأة العلوية. فهي، في كثير من نماذجها، لم تنشأ على الشعور بأنها كائن ناقص يحتاج إلى وصاية دائمة. لم تتربَّ بصورة عميقة على أن الرجل هو معناها النهائي، أو أن قيمتها لا تكتمل إلا من خلال رضاه. لذلك كانت أكثر قدرة على الحضور، وعلى الكلام، وعلى المواجهة، وعلى الدخول في علاقة أقل خضوعاً بالرجل. كانت قادرة على أن تكون زوجة وأماً وأختاً وابنة، من دون أن تختزل نفسها كلياً في هذه الوظائف.
في لغة التحليل النفسي، يمكن القول إن هذه المرأة لم تُثقل بالقدر نفسه من الذنب الرمزي. والذنب هنا ليس ذنباً أخلاقياً بالمعنى البسيط، بل ذلك الشعور العميق بأن الذات مدينة دائماً لسلطة ما، وأن عليها أن تبرر وجودها وحريتها ورغبتها. المرأة التي تنجو جزئياً من هذا الذنب تنظر إلى نفسها بطريقة مختلفة. لا تحتاج دائماً إلى أن تعتذر عن قوتها، ولا ترى في حضورها تعدياً، ولا في رأيها وقاحة، ولا في استقلالها خروجاً على نظام الكون.
ولهذا تبدو علاقتها بالرجل أقل خضوعاً للرمز الأبوي المطلق. فالرجل بالنسبة إليها ليس بالضرورة سلطة نهائية، بل شريك، أو خصم، أو ابن، أو أخ، أو زوج، أو كائن يمكن محاورته ومواجهته ومحبته والاختلاف معه. وهذه العلاقة الأكثر واقعية بالرجل تمنع تضخيمه نفسياً إلى مرتبة الرقيب المطلق. فالمرأة التي لم يُزرع فيها منذ الطفولة أن الرجل ظلّ الله في البيت، تستطيع أن تراه إنساناً، لا قدراً.
وهذا التحول في صورة الرجل داخل الوعي الأنثوي له أثر بالغ الأهمية. فالمرأة التي ترى الرجل إنساناً لا إلهاً صغيراً، لا تعيش علاقتها به من موقع الرهبة، بل من موقع التفاوض. قد تخضع أحياناً لضغط الواقع، وقد تضطر إلى التسوية، وقد تعاني من العنف أو التهميش، لكنها لا تمنح هذا التهميش شرعية داخلية كاملة. في أعماقها يبقى شيء يقول لها إن ما يحدث ليس طبيعياً تماماً، وليس عدلاً كاملاً، وليس قدراً مقدساً.
وهنا تكمن بذرة التحرر النفسي.
إن المرأة التي لم تُربَّ على كراهية جسدها تمتلك علاقة أكثر صفاءً مع ذاتها. لا يعني ذلك أنها متحررة من كل قلق أو صراع، فكل إنسان يحمل صراعاته، لكن الجسد لديها لا يتحول بالضرورة إلى عدو داخلي. إنها لا تعيش أنوثتها بوصفها تهمة، ولا حضورها بوصفه خطراً دائماً، ولا جمالها بوصفه خطيئة يجب التكفير عنها. وهذه المصالحة النسبية مع الجسد تمنح الشخصية قوة هادئة، لأنها تحرر جزءاً كبيراً من الطاقة النفسية التي تُهدر عادة في الخوف والكبت والإنكار.
فالمنظومات المحافظة لا تضبط جسد المرأة فقط، بل تزرع في داخله عيناً تراقبه. تجعل المرأة تنظر إلى نفسها من الخارج، كما لو أنها موضوع دائم للفحص والحكم. أما حين تخف هذه العين، أو تغيب جزئياً، فإن المرأة تستعيد شيئاً من وحدتها الداخلية. تصبح أقل انقساماً بين ما هي عليه وما يطلب منها أن تكونه. وهذا الانسجام النسبي بين الداخل والخارج هو أحد مصادر الثقة بالنفس.
ومن هنا يمكن فهم أثر هذه الشخصية على التربية. فالأم التي لا تخاف نفسها لا تربي أبناءها على الخوف من ذواتهم. والأم التي لا ترى في الحرية خطيئة لا تعلم أبناءها أن الطاعة العمياء فضيلة. والأم التي لم تُكسر داخلياً باسم المقدس لا تنقل الكسر نفسه إلى بناتها وأبنائها. إنها تمنحهم، حتى من دون تنظير، نموذجاً حياً لإنسان يقف على قدميه.
فالطفل لا يتعلم معنى الكرامة من الخطب، بل من المشاهد اليومية الصغيرة: من طريقة الأم في الكلام، من قدرتها على الرفض، من حضورها أمام الأب، من رأيها داخل البيت، من ضحكتها غير الخائفة، من غضبها حين يلزم الغضب، ومن محبتها التي لا تلغي شخصيتها. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع لاوعي الطفل أكثر مما تصنعه الدروس المباشرة.
ومن هذه الزاوية، فإن المرأة العلوية الحرة لم تكن مجرد نتيجة اجتماعية لغياب التعليم الديني التقليدي، بل أصبحت، في كثير من الحالات، منتجة لنمط نفسي مختلف داخل الأسرة. لقد ساهمت في تشكيل رجال أقل قدرة على احتقار المرأة، وبنات أقل استعداداً لتصديق دونيتهن. وربما هنا تحديداً تكمن القيمة الحضارية الكبرى لهذه التجربة: أنها لم تنتج خطاباً نسوياً منظماً، لكنها أنتجت، في الحياة اليومية، نماذج نسائية صلبة، حاضرة، وغير معتذرة عن وجودها.
لكن هذه الشخصية ليست قدراً ثابتاً. فهي قابلة للتآكل إذا عادت المنظومات المحافظة إلى تشكيل الداخل النفسي للمرأة من جديد. فالخطر لا يبدأ حين يتغير اللباس أو الشكل الخارجي، بل حين يتغير المعنى الداخلي للذات. حين تبدأ المرأة في النظر إلى قوتها بوصفها مشكلة، وإلى حريتها بوصفها تهوراً، وإلى جسدها بوصفه عبئاً، وإلى الرجل بوصفه مرجعاً نهائياً لقيمتها. عندها لا تكون المشكلة في المظهر، بل في إعادة بناء الأنا الأعلى على قاعدة الخوف والطاعة والذنب.
ولذلك فإن الدفاع عن شخصية المرأة العلوية الحرة ليس دفاعاً عن عادة اجتماعية، ولا عن صورة فولكلورية من الماضي، بل دفاع عن بنية نفسية نادرة في هذا الشرق. بنية سمحت للمرأة أن تبقى أقرب إلى ذاتها، وأقل اغتراباً عن إنسانيتها، وأكثر قدرة على إنتاج علاقة متوازنة مع الرجل والحياة والأبناء.
إن المجتمعات لا تنهض فقط بالأفكار الكبرى، بل بالنماذج النفسية التي تنتجها في بيوتها. والمرأة التي لا تخاف نفسها هي إحدى أهم هذه النماذج. لأنها لا تربي جيلاً يعرف كيف يطيع فقط، بل جيلاً يعرف كيف يسأل. لا تربي أبناء يبحثون عن سلطة تحميهم من القلق، بل عن معنى يبنونه بأنفسهم. لا تربي بنات ينتظرن الاعتراف من الخارج، بل نساء يعرفن أن الاعتراف الأول يبدأ من الداخل.
ومن هنا، فإن رهان المستقبل لا يكمن فقط في تعليم المرأة، ولا في إدخالها إلى العمل، ولا في منحها مساحة شكلية في المجال العام، على أهمية ذلك كله. الرهان الأعمق هو الحفاظ على تلك النواة النفسية الحرة التي جعلتها أقل خضوعاً للذنب، وأقل خوفاً من الجسد، وأقل استعداداً لتقديس السلطة الذكورية.
فالمرأة التي لم تتعلم أن تخاف نفسها، تستطيع أن تربي إنساناً لا يخاف الحياة. وربما يكون هذا، في زمن الانهيارات الكبرى، أحد أثمن ما يمكن لأي مجتمع أن يمتلكه.