الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية

أحمد الرمح

يعتقد كثيرٌ من المسلمين أنّ أحكام الشريعة الإسلامية كلها نزلت من السماء دون أية علاقة لها بالواقع أيام الرسالة؛ أو بالعادات والتقاليد في الجزيرة العربية.
لكنّ المفكر "خليل عبد الكريم" في كتابه "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" وهو كتاب مثير للجدل؛ يتبنى منهجاً "تاريخياً" في تحليل نشأة التشريع الإسلامي. ويركز "خليل عبد الكريم" على فكرة أن الشريعة الإسلامية لم تنشأ من فراغ أو بقطيعة تامة مع ما قبلها، بل يرى أنها امتداد وتطوير لـ "الأعراف والتقاليد" التي كانت سائدة في المجتمع العربي (الجاهلي) قبل الإسلام.
يستخدم الكاتب أدوات علم الاجتماع التاريخي ليثبت أن التشريع كان يتفاعل مع "الواقع المادي" والظروف الاجتماعية لمكة والمدينة في ذلك الوقت. فهو لا ينظر للتشريع كأوامر سماوية معزولة عن الزمان والمكان، بل كاستجابة لحاجات المجتمع العربي في القرن السابع الميلادي تحديداً.
الصادم بالكتاب لأتباع التراث قوله المدعم بالأدلة أنّ البيئة العربية (الجاهلية) شكلت مصدراً لبعض أحكام الشريعة مثل بعض المعاملات، والزواج، والمواريث، وحتى بعض العبادات (مثل الحج) فهذه كانت موجودة لدى العرب قبل الإسلام. ويقول: إن الإسلام أبقى على بعضها كما هو. وهذّب وطرّأ تعديلات على بعضها الآخر. وألغى ما كان يتصادم مع روح العقيدة التوحيد.
وتوقف عند تشريعات الحرب والغنائم والديّة والنسب وتعدد الزوجات والرق وحتى الخلافة والشورى! وقارنها بعادات وتقاليد عرب الجاهلية وتشريعات الإسلام.
كما تتبع جذور الرجم والقصاص بالشريعة كعقوبات في تراث ما قبل الإسلام. ويمرُّ على موضوع المرأة؛ ويؤكد أنّ كثيراً منها كانت مُتّبعة قبل رسالة الإسلام كعقود الزواج والطلاق وحصة المرأة في الميراث قبل أن ينظمها التشريع الإسلامي.
وكذلك شعائر الحج المعروفة قبل الإسلام؛ وكيف كانت تمارسها القبائل العربية، وكيف أعاد الإسلام توجيهها نحو التوحيد.
الكتاب يهدف إلى "أنسنة" الإسلام؛ وفهم السياق البشري والاجتماعي لتشريعاته، لكنّ المؤسسات الدينية التقليدية؛ رفضت الكتاب؛ حيث ترى في أفكاره محاولة للتقليل من ""ألوهية" وسماوية مصدر الشريعة.
وفي النهاية أقول:
علينا ألا ننسى أنّ من التشريعات الإسلامية ما هو موجود في الرسالات السماوية السابقة؛ حيث إنّ رسالات السماء كلها يكمل بعضها بعضاً؛ ولا تتنافر.
فهل سيأتي يوم نعمل برؤية المفكر السوداني الأستاذ "محمود محمد طه" الذي قال في كتابه الشهير "الرسالة الثانية من الإسلام": إن القرآن المكي ملزمٌ لنا جميعاً؛ وأما المدني ممكن أنْ نتجاوز منه أحكاماً لم تعد صالحة لعصرنا؛ لكونها أحكاماً بنت عصرها "زمكانية".
فتمت محاكمته وإعدامه رحمه الله سنة 1985 أثناء تحالف الحركة الإسلامية "الإخوان المسلمين" مع سلطة النميري.
عزيزي القارئ: قبل أن تتأخذ موقفاً ــ مع أو ضد ــ من أفكار "عبدالكريم وطه" الواجب عليك أن تطلع عليها؛ حتى يكون موقفك عن علم ودراية. فالفكرة المهمة التي يطرحها الكتابان "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية"و"الرسالة الثانية من الإسلام" أنهما يقدمان حلاً للصراع بين تطبيق الحاكمية كما ينادي بها دعاة الإسلام السياسي والعلمانية المستمر منذ قرن تقريباً.