مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
مروان حبش
باقْتِراحٍ من "مُنتدى الرؤيةِ الوطنيةِ" عُقِدَتْ حَوْلَ " الطاولةِ المسْتديرةِ " في مقرِّ الأكاديميةِ السوريةِ الدوليةِ، يَومَ الثلاثاءِ 7 تموز، جلسةٌ حواريّةٌ عن "العَدالةِ الانتقاليةِ في سوريا " شاركَ بها الدكتور حسن جبران والسيد ُأحمد حزرومة من أعضاءِ هيئةِ العدالةِ الانتقاليةِ، وأَدَارها الأستاذُ الباحثُ أحمد بَكّْورة عضوُ المنْتدى. ومُداخلتي هيَ التاليَةُ:
السادة ُالمحاضٍرون
شُكْراً لَكُمْ علَى مَا طَرَحتُمُوهُ مِنْ رُؤًى حَوْلَ "العَدالَةِ الانتقالِيَّةِ فِي سُورِيَا بَيْنَ الواقِعِ وَالأَمَلِ." غيرَ أَنَّ السُّورِيِّينَ اليومَ لَمْ يعودُوا يبحثُونَ عنْ تَوصِيفاتٍ نظرِيَّةٍ لهذَا المَفهُومِ، بقدْرِ مَا ينتظرُونَ إِجاباتٍ واضحَةً، وَخُطَطًا قابلةً للقياسِ، والتزاماتٍ معْلَنَةً يمكنُ مساءَلَةُ الهيئَةِ عنها مستقبلًا.
وَإِنّي أَرَى:
أولاً: حولَ مَفهومِ العَدالَةِ الانتقاليَّةِ
1- تُعَرَّفُ العدالةُ الانتقاليَةُ في السِّياقِ السُّوريِّ بأَنَّها مجمُوعَةٌ مِنَ الإِجراءاتِ القضائيَّةِ وغيرِ القضائيةِ، التي تَهدِفُ إِلى معالجةِ الانتهاكاتِ الجسيمةِ لحقوقِ الإِنسانِ التي وقعَتْ خِلالَ سنواتِ النِّزاعِ، عَبْرَ كشْفِ الحَقِيقَةِ، ومُحاسَبَةِ المَسْؤولِينَ عَنِ الجَرائِم، وَإِنْصافِ الضَّحايا، وَجَبْرِ الضَّرَرِ، وإِصْلاحِ المُؤسَّساتِ، بما يؤَسسُ لدَولَةِ القانُونِ ويمنعُ تَكْرارَ الانتهاكاتِ. وينبَغِي أَنْ تُراعِيَ تَعقِيداتِ النِّزاعِ وتعدُّدَ أطرافِهِ، معَ الالتِزامِ بالقانُونِ الدَّولِيِّ وَحقُوقِ الإِنْسانِ.
2- إِنَّ التوازنَ المطلوبَ بينَ المحاسبَةِ والمصالحةِ المجتمعيَّةِ ينبَغِي أَنْ ينطلقَ مِنْ مقولةٍ مُفادُها: لا تَعارُضَ بينَ المحاسَبَةِ والمصالَحةِ، بَلْ إِنَّ المصالَحةَ المستَدامَةَ لا يمكِنُ أَنْ تَقومَ دونَ قَدْرٍ منَ العدالةِ. والمطلوبُ هوَ محاسبةُ المَسؤولِينَ عنِ الجرائِمِ والِانتِهاكاتِ الجسِيمةِ وفْقَ إِجراءاتٍ قانونِيَّةٍ عادلةٍ، معَ فتحِ مساراتٍ للحِوارِ المجتمعيِ، وجَبْرِ الضَّررِ، وإعادةِ بِناءِ الثقَةِ بينَ المُواطنينَ، بعِيداً عنِ الانتِقامِ أَوِ الإِقصاءِ الجماعيِّ.
3- يتحَقَّقُ ضَمانُ عدمِ الإِفلاتِ منَ العِقابِ، معَ تجنُّبِ الانتقامِ الجماعِيِّ، منْ خِلالِ:
-الاعتمادِ على قضاءٍ مستقلٍّ وإِجراءاتٍ قانونيةٍ عادلةٍ -التحقِيقِ في المسؤولياتِ الفردِيَّةِ بِناءً عَلَى الأَدِلَّةِ- احترامِ حقوقِ المتَّهمينَ وضَمانِ المحاكَمَةِ العادِلَةِ - رَفْضِ العقوباتِ الجماعيَّةِ أَوِ الانْتقامِ على أَساسِ الانتِماءِ السياسيِّ أَوِ الدّينِيِّ أَوِ المناطقيِّ - ضَمانِ حقوقِ الضَّحايا في الحقيقَةِ والعدالَةِ والتَّعْوِيضِ.
4- يَجِبُ أَنْ تَعْتَمِدَ المسؤولِيَّةُ على مَعايِيرَ وَمَبادِئَ قانونِيَّةٍ واضحَةٍ، أَهَمُّها:
-ثُبُوتُ ارْتِكابِ الفِعْلِ أَو المشارَكَةِ فِيه بأَدلَّةٍ موثُوقَةٍ - تَحْديدُ المسْؤولِيَّةِ الجِنائِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، وليْس الجَماعِيَّة - مُراعاةُ دَرَجَةِ المسْؤولِيَّةِ، سَواءٌ أَكانَتْ إِصْدارَ أَوامِرَ، أَمْ تَنْفِيذَها، أَمِ المساهَمَةَ فِها - احترامُ قرينَةِ البَراءةِ حَتَّى صدُورِ حُكْمٍ قَضائِيٍّ -عدَمُ اعتِبارِ الانتِماءِ السّياسيِّ أَو الطَّائفِيِّ أَو المناطقيِّ أَو الوظيفِيِّ دَلِيلًا على المسؤولِيَّةِ.
ثانياً، الخُطَّةُ الزَّمَنِيَةُ وَآلِيَّاتُ التَّنْفِيذِ
1- يَجِبُ أَنْ تَشْمَلَ الأَهْدافُ المحدَّدَةُ لِلهَيْئَةِ ما يلِي:
كَشْفُ الحَقيقَةِ حَوْلَ الانْتِهاكاتِ - مُحاسَبَةُ المسؤولِينَ عن الجَرائِمِ الجَسيمَةِ - إِنصافُ الضَّحايا وجَبْرُ الضَّرَرِ - كَشْفُ مَصيرِ المفْقودِينَ وَالمخْتَفِينَ قَسْرِيًاً - إِصْلاحُ المُؤَسَّساتِ الَّتي ساهَمَتْ في الانْتِهاكاتِ - تَعْزيزُ المصالَحَةِ الوَطَنِيَّةِ وَمَنْعُ تَكْرارِ الانْتِهاكاتِ.
2- يمكنُ قِياسُ النَّجاحِ منْ خِلالِ المُؤَشِّراتِ التَّاليةِ:
-عَدَدُ القَضايا الَّتي تَمَّ التَّحْقيقُ فيها وإِنجازُها - نِسْبَةُ كَشْفِ مَصيرِ المفقودِينَ - مُستَوَى تَنْفيذِ بَرامِج التَّعويضِ وَجَبْرِ الضَّرَرِ - تَنفيذُ إصلاحاتٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ وتَشْريعِيَّةٍ - ارِتفاعُ مُستَوَى ثِقَةِ المُواطِنِينَ بالمُؤَسَّساتِ-انْخِفاضُ خِطابِ الكَراهِيَةِ وَالعُنْفِ المجْتَمَعِيِّ.
3- يَجِبُ أَنْ تَنتهيَ مَرحَلَةُ العَدالَةِ الانْتقالِيَّةِ عِندَما تَتَحَقَّقُ أَهدافُها الأَساسيَّةُ، ومِنْها:
-اسْتِكمالُ آلِيَّاتِ المحاسَبَةِ الرَّئيسِيَّةِ -إنْجازُ بَرامِجِ جَبْرِ الضَّرَرِ - اصْلاحُ المُؤَسَّساتِ وَتَرْسيخُ سِيادَةِ القانُونِ. وَلا يَرْتَبِطُ ذَلِكَ بِتارِيخٍ مُحَدَّدٍ بِقَدْرِ ارتِباطِهِ بِتَحْقيقِ مَعاييرَ واضِحَةٍ وَقابِلَةٍ لِلقِياسِ، مَعَ مُراجَعاتٍ دورِيَّةٍ للتَّقَدُّمِ.
4- إِطْلاعُ الجُمْهورِ دَوْرِيًّا عَلَى ما تَحَقَّقَ وَما تَعَثَّرَ، منْ خِلالِ:
-تَقاريرَ دَوْرِيَّةٍ مُعْلَنَةٍ - مُؤْتَمَراتٍ صَحَفِيَّةٍ مُنْتَظمَةٍ - نَشْرِ إِحْصاءاتٍ وَبَياناتٍ مُحَدَّثَةٍ - جَلَساتِ استِماعٍ عامَّةٍ عِنْدَما يَكُونُ ذَلِكَ مُمْكِناً - مَنصَّاتٍ إِلكْتُرُونِيَّةٍ تُتيحُ مُتابَعَةَ التَّقَدُّمِ وَتَلَقِّي الملاحَظاتِ وَالشَّكاوَى.
ثالثاً: أَسئِلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِإِدارَةِ الهَيْئَةِ
1- منْ أَصْعَبِ القَراراتِ الَّتي قَدْ تُواجِهُ الهَيْئَةَ، وَيُخْشَى اتِّخاذُها رَغْمَ ضَرورَتِها، إِحالَةُ شَخْصِيّاتٍ نافِذَةٍ أَوْ ذاتِ نُفُوذٍ سياسيٍّ أَوْ عَسكَرِيٍّ، مِنْ جَميعِ أَطْرافِ النِّزاعِ، إلى المساءَلَةِ عِنْدَما تَثبتُ مسؤولِيَّتُها، وكذَلكَ اتِّخاذُ قَراراتٍ تَتَعَلَّقُ بإصلاحِ أَو إعادَةِ هَيْكَلَةِ مُؤَسَّساتٍ رَئيسِيَّةٍ. ورغْمَ حَساسيَّةِ هذِهِ القَراراتِ، فَإنَّ تأجيلَها قَدْ يُضْعِفُ الثِّقَةَ في العَدالَةِ الانْتِقالِيَّةِ.
2- منْ أَبْرَزِ المخاطِرِ الَّتي تُهَدِّدُ نَجاحَ العَدالَةِ الانتقالِيَّةِ:
-تَسْييسُ العَدالَةِ أوِ اسْتِخْدامُها لِتَصْفِيَةِ الخُصوماتِ -ضَعْفُ استِقْلالِ القَضاءِ -غِيابُ ثِقَةِ المُواطِنِينَ - التَّدَخُّلاتُ السِّياسِيَّةُ أَوِ الأَمنِيَّةُ - انْتِشارُ المعلوماتِ المضَلِّلَةِ وخِطابِ الكَراهِيَةِ.
3- إنَّ ثقَةَ المُواطنينَ بعملِ الهَيْئَةِ سَتُقاسُ مِنْ خِلالِ:
-استِطْلاعاتِ رأيٍ دَوْرِيَّةٍ مستَقلَّةٍ - قياسِ رضا الضَّحايا والمتَضَرّرينَ عَنِ الإِجْراءاتِ - مُتابَعَةِ مُستوَى ِالمشَاركةِ في جَلَساتِ الاستِماعِ والبَرامِجِ -تَحْليلِ عدَدِ الشَّكاوَى ونَوْعِيَّتِها وكيفِيَّةِ مُعالَجَتِها - تَقْييماتٍ مُستَقِلَّةٍ مِنْ منظماتِ المجتَمَعِ المَدَنِيِّ والخُبَراءِ.
4- يَنْبَغِي أَنْ َتخضَعَ الهَيْئَةُ لِمَبادِئِ الشَّفافِيَّةِ والمساءَلَةِ، وذَلِكَ عَبْرَ:
الاعْتِرافِ بِالأَخْطاءِ عندَ وقوعِها، وتَصْحيحِها بِسُرْعَةٍ وعَلانِيَّةٍ -وجودِ آلِيَّةٍ مستَقلَّةٍ لِتَلَقِّي الشَّكاوَى والتَّحقيقِ فِيها -نَشْرِ نَتائِجِ التَّحْقيقاتِ والإِجْراءاتِ التَّصْحيحِيَّةِ - مُراجَعَةِ السِّياساتِ والإِجْراءاتِ لِمَنْعِ تَكْرارِ الأَخْطاءِ.
بِهذِهِ الآلِيَّاتِ، تَكونُ الهَيْئَةُ نَفْسُها خاضِعَةً للْمُساءَلَةِ، بِما يُعَزِّزُ مِصْداقِيَّتَها وثِقَةَ المُواطِنِينَ فِي عَمَلِها.
خِتامًا، إِنَّ السُّورِيِّينَ لا يَنْتَظِرُونَ عَدالَةً انْتِقامِيَّةً، ولا عَدالَةً انْتِقائِيَّةً، ولا عَدالَةً تُكَيَّفُ وَفْقَ مَوازِينِ القُوَى. إِنهُمْ يَنْتَظِرُونَ عَدالَةَ قانُونٍ، وعَدالَةَ مُؤَسَّساتٍ، وعَدالَةً تُطمئِنُ الضَّحيَّةَ، وتُحاسِبُ الجانِيَ، وتَحْمِي البَرِيءَ، وتُؤَسِّسُ لدولةٍ لا يكُونُ فيها أَحَدٌ فَوْقَ القانُونِ.
لِذَلِكَ، فَإِنَّ ما طَرَحتُهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَوْضيحٍ لِعَمَلِ الهَيْئَةِ، بَلْ هُوَ خُطْوَةٌ أساسِيَّةٌ فِي بِناءِ الثِّقَةِ الّتَي تُمَثِّلُ الهَدَفَ الأَوَّل َوالأَسْمَى لِلْعَدالَةِ الانْتِقالِيَّةِ. وهِيَ تُحَمِّلُ أَعْضاءَ الهَيْئَةِ مَسؤُولِيَّةَ تَقْديمِ التِزاماتٍ واضِحَةٍ وقابِلَةٍ لِلْمُساءَلَةِ.