كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أما بعد.. الحكم مسبقاً!

زياد غصن- فينكس:

كنت أتمنى على المحامي العام الأول بدمشق أن يصدر قراراً يمنع وسائل الإعلام المحلية وشبكات التواصل من نشر أي معلومة تتعلق بقضية الشابة آيات الرفاعي، إلى حين انتهاء التحقيقات وإصدار القضاء حكمه، وذلك لسببين:

-إن معظم ما نشر عن القضية، لم يكن مهنياً أو موضوعياً، الأمر الذي ساهم في تعبئة الرأي العام خلف أحكام مسبقة، وصلت أحياناً إلى حد تجريم أهل الشابة بذريعة تزويجها باكراً، أو اتهامهم بغض النظر عن الظروف التي كانت تعيشها ابنتهم، فضلاً عن القصص الكثيرة التي جرى تداولها، والتي لم يرد لها أي ذكر في اعترافات المتهمين.

-ضمان حيادية واستقلالية التحقيقات وسير المحاكمة بعيداً عن أي تأثيرات يفرضها المحيط الاجتماعي، أو شبكات التواصل التي حولت القضية إلى "ترند" محلي. وسؤالي هنا: ماذا لو أن التحقيقات الجنائية خلصت إلى أن الشابة توفيت بفعل التسمم أو جراء جلطة قلبية مثلاً.. هل كان الرأي العام سيتقبل النتيجة بعد كل هذه التعبئة التي سبقت إعلان التحقيقات؟

ليس هناك صحفي يتمنى حجب معلومة، أو إضافة قيد جديد عليه في هذه المرحلة، لكن الفوضى التي تسود المشهد الإعلامي المحلي باتت تشكل خطراً على شرائح المجتمع وحقوق أفراده، وهذا يرتب مسؤوليات كثيرة على سلطات الدولة ومؤسساتها ووسائل الإعلام المحلي، حتى يستقيم الوضع.

فمثلاً... هناك ضرورة لتأهيل مجموعة من الصحفيين لمقاربة الموضوعات المجتمعية بشكل مهني وموضوعي، بحيث تشكل المادة الصحفية قيمة مضافة يمكن الاستفادة منها في التحقيقات التي تجريها المؤسسات المتخصصة، وليست مجرد "تلخيص" لنتائج عمل تلك المؤسسات في هذا الملف أو ذاك!

وهناك كذلك ضرورة لمنح الصحفيين المحترفين حق الوصول إلى المعلومة والأشخاص ومقابلتهم وفقاً لما نص عليه قانون الإعلام، وليس حجب المعلومة، أو تقديمها منقوصة، أو عرقلة الوصول إليها بحجج غير موضوعية.

صحيح أن تناول وسائل الإعلام المحلية وشبكات التواصل لجرائم وحوادث وقعت سابقاً ساهم في تسريع إجراءات التحقيقات والتقاضي فيها، لكن ذلك يجب أن يكون محكوماً بضوابط تمنع التشهير، الإساءة، ونشر معلومات غير موثقة، وتلتزم بالموضوعية والبحث عن الحقيقة.... وهذا ما نص عليه قانون الإعلام بشكل صريح.

ومع ذلك، لنرَ بعد بث وزارة الداخلية اعترافات زوج الشابة آيات الرفاعي ووالده ووالدته، إلى أين يمكن أن تصل حملة مكافحة العنف الأسري، وكم من الوقت ستستمر بالتفاعل نفسه، فأفضل تكريم لروح الشابة آيات هو إنقاذ أخريات من مصير مشابه.

هامش1: أثناء اجتماعات اللجنة المكلفة بصياغة مشروع قانون الإعلام في العام 2011، أيدت أنا وعدد من الزملاء إدراج مادة تمنع الصحفي من نشر ضبوط الشرطة وسير التحقيقات ومضمون المحاكمات انطلاقاً من مبررين: الأول هو العبارة القانونية الشهيرة القائلة: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، خاصة في ظل ظاهرة الضبوط والدعاوى الكيدية، التي كنا كصحفيين أحد ضحاياها على مدار سنوات، وهي ظاهرة تراجعت خلال السنوات الأخيرة بفعل بعض القرارات والإجراءات الشرطية والقضائية. والمبرر الثاني هو بدء انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وتحولها إلى منصة تنشر فيها أي معلومة من دون أدنى تدقيق أو تحقيق في صحتها وموثوقيتها.

هامش2: مع نشر هذه الزاوية تم تداول كتاب للسيد وزير عدل سابق يطلب من وزارة الإعلام عدم بث اعترافات المتهمين، وذلك لحين صدور حكم قصائي مبرم.