وكم من جحدر بيننا
باسل علي الخطيب- فينكس
أتعرفون من هو جحدر؟....
من شاهد منكم مسلسل الزير سالم، يذكره، جحدر كان مجرد إمعة لا قيمة له بين قومه، مجرد نكرة اسمه هكذا جحدر، من دون (بن فلان...)، جحدر لم يكن أكثر من حثالة بشرية تمشي على الأرض..... وعندما نشبت الحرب بين تغلب وبكر، اختفى جحدر، لكنه عاد بعد فترة، وقد صار جحدر بن ربيعة، تسلق جحدر الدماء، وتسلق الرماح، استفاد جحدر من الحرب، وصار له اسماً، وأصبح له رأياً يسمع، وصار عنده اتباع ومريدين....
يعجبني فيما يعجبني في جحادر هذه الأيام، أنهم لا يتركون أي مناسبة أو فرصة، إلا ويثبتوا كم أن عقد النقص فيهم متجذرة ومستحكمة، أنهم وحتى تاريخه ماشبعوا ولن يشبعوا بعد كل ذاك الجوع القديم المزمن... ذاك الجوع القديم إلى بعض التقدير والاحترام، استمر إياه الجوع نفسه، الجوع إلى التقدير والاحترام....
ترى احدهم، وحتى إن أراد احتساء فنجان قهوة في كافتيريا ما، يذهب في موكب، وامام سيارته سيارتان، وتتبعها سيارتان، يصل المكان، تنتشر العناصر المدججة بالسلاح، المدججة نظراتها باحتقار الناس، ينتشرون على كل المداخل والمخارج، وكأنه إياه مطلوب لكل أجهزة المخابرات المعادية، أن يغتالوه...
ينزل جحدر، يسير وكأنه فرعون، يزدري بنظراته الكل، يتراكض الجميع لخدمته خوفاً أو طمعاً، يجلس، يأتون له بالقائمة، لايكاد يعرف كيف يمسكها، لايكاد يعرف كيف يقرأها، يزحط في قعدته على المقعد، يضع قدمه على المقعد المقابل، جحدر لم يعد يدخن إلا السيجار، لايخلع نظارته الشمسية، لايستاهل الناس أن ينظر إليهم إلا عبرها، ولكن في قرارة نفسه، هذه النظارات تشكل بالنسبة له جدار حماية بينه وبين الناس، أنه يعرف أنهم يعرفونه على حقيقته، يكاد الجوع ولو للحظة احترام واحدة لم يحظى به سابقاً يقتله، يحاول الآن فرضه على الناس بكل تلك الحركات أعلاه، يغادر المكان تاركاً خلفه الكثير من الفوضى، والكثير من الاحتقار......
لا يذهب ابنه - الجحدور الصغير إياه - إلى المدرسة إلا ضمن موكب، تتقدم سيارته سيارة وتتبعها سيارة، يرافق العناصر ابن (المعلم) إلى داخل الصف، ينتظرونه حتى ينتهي الدوام المدرسي، كيف لا، فهذا ابن (المعلم)، وقد تكون الاقمار الاصطناعية التابعة للدول الإمبريالية الحقيرة إياها تراقبه، والقصد أن تخطفه، في سبيل الضغط على والده حامي الحمى والمناضل العتيد والعقدة الكأداء في وجه مخططاتها....
يبنون قصوراً ولا كأنها قصور هامان، لايرتضون لبنائها إلا أفضل الشركات، واحسن المواد المستوردة، وافضل الأثاث...
ألم احدثكم عن ذاك الجوع القديم المزمن؟...
الأنكى من كل ذلك أعلاه، أنهم يسمونهم أصحاب الأيادي البيضاء، يلقون بعظمة هنا وعظمة هناك، وتلك العظام لاتكاد تساوي ثمن سيارة من أسطول سياراتهم، لاتكاد تساوي ثمن بعض التجهيزات في بيوتهم....
على فكرة، أنا فقط من يسالني الرفاق إياهم إن لبست قميصاً جديداً، من اين لك هذا؟... أما جماعة الايادي البيضاء فاسمهم مولانا، مولانا الذي لايفك الحرف، لكن يفك كيسه لمن كان مداحاً لسموه، نباحاً على من ينتقد ذاته الجندرية....
أحدهم لايرضى لعروس ابنه إلا فستاناً من ارقى بيوت الازياء في دمشق، ولو كلفه عشرات الملايين من الليرات، وابنه - الجحدور اياه - كان قبل سنوات يرتدي بنطالاً ماعاد معروفاً لونه الأساسي لكثرة الرفع فيهم.....
وتسالون أين هو ذاك الجوع القديم المزمن الذي احدثكم عنه؟!...
يلقون ببعض العظام، لتتهافت تلك الصفحات في مدح جهودهم وعطاياهم الجحدرية، جيش كامل من أمعات الفيس ومرتزقته وجحادره، لايجيدون إلا أن يكونوا ماسحي صرامي أو ماسحي صرامي.....
رحم الله أسعد خرشوف عندما تحدث عن الوحوش الضارياطي، أثناءها وفي أسفل الشاشة ظهر في ترجمة كلمة الضارياطي أنها خطأ من المصدر، تلك لم تكن خطاً من المصدر، ذاك المرض القديم الذي كان اسمه البيك، صار اسمه جحدر، ولكن أولئك كانوا حقاً بيك....
أكثر مايثير ضحكي أو بكائي، لافرق، عندما يلتقطون لأنفسهم صوراً يرتدون فيها البدلة العسكرية ويحملون السلاح، أنهم هم ، وهم فقط، من دفع داعش عن قرانا، أنهم آباء النصر و صناعه.....
آآآه إيتها البدلة، آآآه ايتها البدلة العزيزة الغالية، ماذا فعلوا بك.....
اكتب هذه الكلمات نيابة عن الحجر، نيابة عن الشجر، نيابة عن كل ذرة تراب، نيابة عن كل هذا الخراب، نيابة عن كل قطرة ماء، نيابة عن كل تلك الدماء، نيابة عن كل تلك الكرامات المسفوحة، نيابة عن كل تلك النفوس المجروحة...
اكتب هذه الكلمات، ولا اعرف وقعها، لا أعرف نفعها......
ولكني أعرف ثمنها...