كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

راقصات الحكي...

باسل علي الخطيب- فينكس

الرقص أنواع...
فهو ليس بالضرورة أن يكون هزاً للخصر فحسب.....
والرقص في شرقنا الجميل يعتمد بالدرجة الأولى على التضاريس النافرة، أمامية كانت أو خلفية، وكلما كانت التضاريس أكثر نفورا كلما سال اللعاب أكثر...
والهز أنواع، هز الأبدان، وهز السيقان وغيرها.... ولكن في النهاية، النهاية هي ذاتها، رشرشة الأموال...
نعم، لا أحد يهز مجاناً، سواء كان يهز خصره أو يهز مبادئه، أو يهز عقيدته، أو يهز مخه، فالكل يتلقط رزقه....
فلا تظنن أن هناك علاقة غرامية بين راقصة الستربتيز وذاك العمود إياه، فهي تعتمد في رزقها على كم اللعاب الذي يسيل من أفواه الناظرين، وذاك العمود المسكين ليس إلا وسيلة يعينها على ذلك، وليس له من تلك الطبخة كلها أنه يشم ولايتذوق....
ملاحظة، لكي تعرفوا معنى كلمة ستربتيز، ابحثوا عنها في معجم يأخذ بمؤخرات الكلمات....
أما راقصة الطبلة فليست بوارد الإيقاع أبداً، إنما المهم هو تلك البدلة، أن تكشف أكبر قدر من تلك المساحات المترامية من تلك التضاريس، فجحوظ أعين الناظرين تعتمد على ذلك، وكلما زاد الجحوظ زادت الرشرشة، ولاتنسى راقصة الطبلة ترك بعض الغموض لكي يسرح فيها خيال النظارة...
كذلك هي راقصة الحكي، فهي قد تنسى في اليوم التالي ما حكته بالأمس، ولكن هناك دائما حكي، والأهم أن هناك الكثير من الفراغ والكثير من الفارغين، وهذا لعمري يناقض مبدأ مصونية الطاقة للعالم لافوزييه، التي تقول أن المادة لاتتشأ من العدم، ولكن هاكم مايحصل، الفراغ يدر مالاً وفيراً...
نعم، أكاد أجزم أن شركات الاتصالات الخلوية والمنجمات هما الجهات الوحيدة التي تصنع المال من الحكي، تصنعه من الفراغ....
نعم، تجيد البصارات صناعة المال من الفراغ، الفراغ الفارغ إلا من الخزعبلات...وكما هو معروف كن سابقاً يسمين بصارات أو براجات، وهكذا كن يدللن على انفسهن: بصارة... براجة...... وكلما ارتفع مؤشر التفاهة في المجتمع، صرن يرتقين على سلم الألقاب، فمن منجمة إلى متنبئة إلى عالمة، نعم عالمة، وهذه ثالثة الأثافي، عالمة فلك، أو عالمة أحرف وأرقام.... ولك أن شئت يا انشراح أن تزغردي....
ولكن حتى هنا ليس هناك من مشكلة، فذاك رزقهن وهن يسعين إليه، ولكن المشكلة في كل أولئك الهمج الرعاع، وقد كنا سابقاً نعاني من الناعقين العرارين، صارت مشكلتنا الآن مع الناعقات التاعمات، ترى من قال إنه لايجب توزيع الازدراء إلا بحرص شديد لكثرة عدد المحتاجين إليه؟... نعم، تذكرت، أنا قلت ذلك.... الكثير من الناس تبني حياتها طولاً وعرضاً على ما تقوله تلك البصارة أو تلك البراجة..... يتداول الناس تنبؤاتهن وكأنها واقعة لامحالة، تسمعها ونصبح يالطيف، تتوجس الناس وتتهيب الساعة الموعودة للتتبؤ...... ألهذه الدرجة الجهالة؟ وفيكم من فيكم من حملة الشهادات الجامعية ومن لف لفهم، ولكن كيف أستغرب، فأنا أستغرب من نفسي انني أستغرب، ألم تجعل بعض التنبؤات المباركة ذات زلزال عشرات آلاف الناس تنام في الشارع!... 
تحضرني في سياق هذه المقالة قصيدة قارئة الفنجان للراحل الكبير نزار قباني الذي غناها الراحل الكبير الآخر عبد الحليم حافظ، وككل قارئة فنجان هناك دائماً طريق ما في قعر الفنجان، وقارئة فنجان نزار لم تشذ عن القاعدة، ولكنه طريق فحسب، مجرد طريق، وليس درب التبانة ومجرته....