يوميات مدمن قضايا..

باسل علي الخطيب- فينكس
وقد يهتز كيانك عندما تعرف أو تفهم، وتكاد تفقد ذاكرتك القريبة، أما تلك البعيدة فقد غادرتك منذ زمن، وما عاد هناك إلا اشلاء نظريات وبقايا قلب وبضعة شعارات قد عفا عنها الزمن، ولكنك مازلت أنت يا آخر السذج الواقفين حتى تاريخه تلوكها....
خمسون عاماً تقريباً...
وأنت تلتحف بالسراب...
تحلم بالسراب...
تضاجع السراب.....
مرت سنون العمر وأنت صامد وصامت وصابر وصادق وصائم، لتفطر على رسالة مازلت تنتظرها من بطاقة ذكية.....
ترى من قال أن شدة الإدراك داء ومصيبة؟...
أيكون أحياناً بعض الجهل نعمة؟.....
تصارع كل تلك الحقائق الفاقعة أمامك لتحافظ على بقية أوهام تتمسك بها لتحفظ ماء وجه سنواتك المنصرمة......
و تتمنى أحياناً لو أنك لم تعرف أو لم تفهم....
وتكاد تشعر انه سيتم وضعك تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، أنك صرت تدرك، فتتنهد وتناجي نفسك، ولسان حالك (على من تقرا مزاميرك أيها الأبله؟)...
إذاً دعونا نقف في الصف مع امرؤ القيس، ونردد: قفا نبكي....
وهل هي إلا إطلال تبكي على أطلال؟....
وتركن إلى إخوة لك في التراب، والتراب انواع، فبعضه يصلح تيمماً، وبعضه لايصلح إلا ان يُهال به على القبور.....
لنا الصدر دون العالمين أو القبر...
وبقي من الشطر القبر...
ذات أبيات كنت ترددها، وقد كنت تصدق عمرو بن كلثوم أكثر مما تصدق محمد الماغوط، لتستيقظ ذات كهولة على رسائل مازلت تنتظرها من بطاقة ذكية....
بقية من حطام مازال يعتقد أن أول الكلام ( ماما ماما يا أنغاما)، وأن باسم ورباب مازالا على قيد الحياة....
ليست القصة هذه الحرب أو تبعاتها، وليست القصة قيصر أو هذا الحصار، فقد كنت لها كلها نداً مرات ومرات، ولديك من المناعة الوطنية والأخلاقية أقصاها وأرقاها أنك لن تبيع وطنك أو تتركه أو تتخلى عنه ولو وضعوا الشمس في يمينك والقمر في يسارك...
ولكن ألا يحق لك أن تسأل لماذا يتخلى عنك الوطن؟...
لماذا يبيعك بأبخس الاثمان؟....
لماذا يتركك على قارعة الدنيا وقد التهم حاضرك، و أضاع مستقبلك، وشطب ماضيك؟!...
ويمر العمر، لتكتشف أنك لست أكثر من ظاهرة صوتية، ويكاد كل ذلك الحبر لايساوي تنورة قصيرة، وليس بالضرورة ان تكون الأفخاذ مكتنزة والصدر عارم، فكل تنورة قصيرة تفي بالغرض .....
والوطن نوعان، وطنك إياه، ذاك الطفل الذي رسمته في مخيلتك الحمقاء، ذات رضعةٍ اولى بعد اول شهقة، ذات إجتماع أول وانت ترتدي ذاك (الفولار) إياه، ذات (نظام منضم) مشيته وركبتك تكاد تلامس صدرك، والرأس يرنو الى تلك النجوم إياها.....
ووطن آخر تسمع عنه في نشرات الاخبار، وبرنامج أرضهم الخضراء، وتلك الاجتماعات والمهرجانات ذات الشعارات.... الشعارات التي تبدأ من أبجدية اوغاريت، ولاتنتهي بعلي الديك أو باب الحارة.....
وتفتش عن بقايا تلك القضية إياها، فتراها صارت تواكب الأيام، تأتيك بالحمرة الفاقعة و الكعب العالي، وذاك الشق في الفستان يكشف عن ساق كالمرمر، ومقدمة ابن خلدون تعلن عن وصولها قبل وصولها بخمس دقائق...
و تكاد تشمر عن قلمٌ وساعد تريد اغوائها ، فلا يثير ذلك إلا قهقتها......
نعم، تلك القضية يا صاحبي قد تركت ازقتك منذ زمن، واستوطنت تلك المنتجعات، استوطنت فنادق النجوم الخمس أو السبع، ماعاد يستهويها فنجان القهوة الذي كانت تشربه معك، فهي قد ادمنت (البلاك ليبل)، ولاترضى أقل من الإقامة الذهبية مهر تعارف.....
الكلمات ترتجف، اليدان ترتجفان، اللسان يرتجف....
اكتب هذه الكلمات نيابة عن الحجر، نيابة عن الشجر، نيابة عن كل ذرة تراب، نيابة عن كل هذا الخراب، نيابة عن كل قطرة ماء، نيابة عن كل تلك الدماء، نيابة عن كل تلك الكرامات المسفوحة، نيابة عن كل تلك النفوس المجروحة.....
بالمناسبة، هل سبق وقرأتم رواية (اللامتنمي)؟...

لا تقرأوها إذاً.....