حقائق موجزة وضرورية

أحمد حسن
ربما كانت أول خطوة لمجابهة الماضي وبناء المستقبل هو الاعتراف بالحقائق، وأولها وأهمها أن فئة مصبوغة بصبغة "طائفية" قد خسرت معركة -وليس حرب- بروزها إلى مسرح التاريخ بصفة الفاعل السياسي الواعي لا المفعول به الدائم للمرة الأولى منذ قرون عدّة مع قناعتي الشخصية -التي لا ألزم بها أحداً- بأن هذه الخسارة، رغم توابعها التي تتبدى الآن، ربما تكون، أفضل ما حدث لها منذ عقود عدّة على الصعد كافة.
أما ثاني هذه الحقائق، فهي أن هذه الخسارة كانت "منطقية" بالمعنى التاريخي ليس لأن الصعود السابق لهذه "الفئة" –وأضعها دائماً بين قوسين لعدم إيماني بدلالتها الموضوعية في سياق السياسة الممارسة والعملية- كان خارج دورة التاريخ وسياقه الطبيعي، بل لأن هذه "الفئة" لم تعرف، لظروف ذاتية وموضوعية لا يجب إنكارهما، كيف تحوّل هذا البروز "الفئوي" إلى بروز للجميع، وليس لفئة على أخرى، الأمر الذي تحوّل بمنطق الأشياء وسيرورتها، وهذه هي الحقيقة الثالثة، إلى تغلّب، بل تغوّل، فئة من المنتصرين على البقية سواء كانوا من لونها المذهبي نفسه أو المخالفين له على حد سواء، فجعلت من الموالين لها كتلة شبه صماء، مخيفة وخائفة في الآن ذاته، فيما أخافت البقية، حتى بعض الذين ارتكزت إليهم كبعض "فواعل" المدن الكبرى أو من استعانت بهم من بقية "الفئات" كديكورات شكلّية، تغوّل بعضها في إظهار ولائه –طمعاً في المراكز والغنائم- حتى بزّ في ذلك تلك "الفئة" ذاتها، وهنا من المهم القول إن ذكر بعض أسمائهم ومواقعهم "الكبرى" في الدولة للتدليل على خطل هذه القراءة لا يفيد سوى في تأكيدها، أي أنهم كانوا مجرد ديكورات شكلية مهما "تعملق" بعضهم في تنفيذ أدوارهم ومهامهم.
الحقيقة الرابعة أن قادة هذه "الفئة" المنتصرة سابقاً وجدت أن وسيلتها الناعمة للبقاء والتغلب تتمثّل في "فساد وإفساد من لم يفسد بعد طريقة لجعل الجميع مداناً وجاهزاً تحت الطلب" كما قال الراحل طيب تيزيني، ففسد الجميع إلّا من رحم ربي، وتغيرت بذلك تقاليد وقيم المجتمع ليس نحو الأفضل بل نحو الأسوأ، فأصبح الشريف "حماراً" واللص "شاطراً"، وانتقلنا مثلاً من تبجيل العلم والمعلّم وإهانة السارق واللص إلى إهانة العلم والمعلّم وتبجيل اللص واللصوصية وذلك ما أدى بالضرورة إلى تراجع رجال الدنيا والسياسية والفكر واضمحلال دورهم لصالح رجال الدين –رجال الدين وليس الدين ذاته- الذين كان أغلبهم حاضرين وجاهزين لتقديم الغطاء المطلوب، خاصة وأن أغلب هذه الأغلبية كان من رجال الدين الجدد "المصنوعين" في أروقة السلطة والذين حملوا معهم تاريخهم الأسود في ممارستها ليغسلوه بمسحوق ديني مزيف لكنه كان فاعلاً في منح المرتكب واللص صك البراءة الشهير، وبالتالي مقعد الصدارة في أي تجمّع ديني أو اجتماعي أو سياسي مبعداً الشرفاء إلى خارج الأضواء في المقاعد الخلفية المعتمة.
بكلمة أخرى سيطرت الولاءات الضيقة والعصبيات على مفاصل الدولة التي لم يعد أحداً يتسنّم موقعه فيها بحسب الكفاءة أو الاستحقاق بل بحسب "الحظوة" والقرابة والولاء الشخصي وسياسة تبادل المنافع، وتلك معضلة كاشفة، وجامعة، لأمراض عدة خطيرة، أمراض لا يمكن علاجها ومواجهة عوارضها ونتائجها بالخطابات الحماسية الفضفاضة، بل كانت نتيجتها ما نرى ونسمع ونعاني.
المهم، وما يعنينا الآن، أن هذه الخسارة يجب أن تكون درساً للجميع يتمعّنه الخاسر ويستخلص دروسه وعبره، وبالتالي يعيد تعريف ذاته الجمعية وتأطير دورها القادم في إطار العمل الوطني السوري العام ليس كمكّون مذهبي -رغم كل المصاعب الحالية- بل كطرف مدني وطني ديمقراطي كامل الحقوق والواجبات، أي ضرورة رفض العباءة المذهبية للسياسة التي يحاول البعض "فرشها" على امتداد الجغرافيا السورية والإصرار على الانخراط في، والانتقال إلى، رحاب السياسة بكل إمكانياتها ومحدداتها وتشابكاتها و"ألاعيبها" المنفتحة على التفاهمات والاختلافات والاشتراطات والكواليس الطبيعية للأحزاب العابرة للطوائف والمذاهب، ليحق له فعلياً لا صورياً، "الصدر دون العالمين أو القبر".

ذلك أيضاً درس يجب أن يقرأه المنتصر الجديد بعين البصيرة والاستلهام وإلّا فإن للتاريخ دورته وكلمته التي تسخر من الجميع.