كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ودائما من تحت الدلف لتحت المزراب

أوس أسعد

كأن قدر سوريا هو ان تظل محكومة بلعنة تاريخية ترغمها أن تتوضع بين فكي كماشة، يصنعها الغرب دوما ويشكل أدواتها المحلية لتنوب عنه، بحيث لايكون لها سوى خيارين هي وأمثالها من الدول التي لم تنجح بخلق هويتها الوطنيةالمستقلة...
خياران أحلاهما مر كما يقال.. إما البوط العسكري والأقبية الرطبة أو التغول الأصولي الذي أعطي الآن فرصة تجريب نفسه لدينا كآخر نسخة للإسلام السياسي في المنطقة، فهو حاليا تحت المجهر الغربي كما كان دوما.. وسيفشل بالضرورة لأسباب ذاتيةتتعلق بطبيعته الجوهرية، ولأسباب موضوعية لأن أسئلة الواقع والمستقبل تتجاوز أجوبته بأشواط هائلة رغم كل الترقيعات والتغييرات الشكلية التي أجراها على ملامحه.. وقد أعطي فرصته ليجرب فينا أدواته.. ثم ليأتي الغربي وينتزعه ثانية كما جلبه وبالطريقة السوريالية نفسها، والتي قد تكون أكثر دراماتيكية من قبلها... أو أقل حسب تعمق الوجع السوري الفاغر الجراح.. مفسحا المجال للبوط القادم المعاد إنتاجه بتلميعة جديدة.. الذي سيصورونه لنا كمنقذ كبير هو الآخر من الأصولية... وهكذا دواليك (نسخة السيد مناف طلاس، والسيد حافظ الأسد الثاني).
إن قرار سيادتها ليس بيدها كشأن كل البلدان المحرومة مثلها من تشكيل هويتها الوطنية.. بل بيد من صنع خرائطها الجيوسياسية التي دعيت أوطانا فيما بعد.. لتبقى مجرد مستعمرات تابعة له دوما.. يلعب بها كما يشاء ومتى يشاء منعا لأي نهوض وطني مجتمعي حقيقيي..
وإما نحن كبنى اجتماعية ونخب ثقافية فما زلنا في سباتنا الشتوي الدائم.. رهناء لذهنية العائلة والعشيرة والطائفة والأمية الثقافية عموما.. وهذا بدوره يجهض أي انطلاقة من القمقم الذي حشرنا فيه.. لنبقى متعبدين في محراب ماضينا كلما حاصرنا واقعنا بأسئلته المريرة التي كان لها أن تفتح آفاق المستقبل أمامنا فيما لو اشتغلنا على تطوير ذهنيتنا الدائرية التي تستمرئ البقاء في الماضي بدل إحداث القطيعة المعرفية معه وتحويله إلى متحف التاريخ.. وهذا الأمر لايسيء لتراثنا بل يضعه في موقعه وسياقه التاريخي الصحيح دون عبادة، ويسهل علينا عملية الإندماج في بوتقة التغيرات الحداثوية وما بعد الحداثوية المتسارعة الهائلة التحول حولنا..كي نصبح أبناء الراهن ومشاركين في صنع المستقبل بدل التفرج على الآخر الذي جعلنا مختبرا دائما لتجريب نظرياته المتوحشة..
لابد من الخروج من ذهنية وأفكار بيئتنا المتخلفة بما تحمله من أفكار ماضوية صدئة تنتمي إلى حقبة ماقبل فكرة الدولة.. سنظل بين فكي الكماشة التي يضيق ويتسع انفراجها حسب متطلبات كل مرحلة تاريخية بما تحققه لمصلحة الآخر.. وليس بما تحققه لمصلحة مجتمعاتنا.. سنظل محكومين برموز الماضي، والموتى هم من يتحكمون بنا إن لم نتجرأ على إحداث القطيعة مع تلك الثوابت الماضوية التي تمتص كل طاقتنا على الفعل التاريخي الإيجابي.. وتمنعنا من تشكيل هويتنا السيادية وقرارنا المستقل.. للأسف الشديد....