كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بين المبدأ والمصلحة: ما الذي نقبله وما الذي نرفضه؟

أنس جودة

نشرتُ قبل سنوات قصةً حدثت معي في أحد لقاءات المسار الثاني عالية الأهمية والسرّية عام ٢٠١٧. كان ضمن الحضور السوري مستشار مقرّب من الأسد. وفي إحدى الاستراحات خرج المستشار مسروراً من لقاء جانبي جمعه بوزير خارجية أميركي سابق، وتقدّم نحوي بينما كنت أتحدث مع أحد السوريين. قلت له مازحاً: “شايفك مبسوط …أموركم طيبة مع الأميركان؟” فابتسم ابتسامة عميقة. أضفت قائلاً: “لا تظنّ أبداً أننا ننزعج من التقارب مع الأميركيين، فالتقارب يعني استقراراً للبلاد، والمجنون فقط من يريد استمرار الحرب والموت. مشكلتنا أنكم، بعد كل تقارب، تبيعون الداخل وتظنون أنكم أقوياء، فترفضون أي تغيير حقيقي.”
ذلك المبدأ لم يتغير ولن يتغير: فهناك دائماً ميزان دقيق بين موقف المعارضة من السلطة، مهما كانت شرعيتها، وبين الموقف من أي خطوةٍ تخدم مصلحة البلاد حتى لو جاءت من سلطة أمر واقع. مشكلتنا ليست في التقارب بحدّ ذاته، بل في مضمونه ونتائجه وانعكاسه على السوريين. ليست في الصورة، بل في الورقة والمستند ومحضر الاجتماع.
مشكلتنا ليست بما يحدث في واشنطن، بل بما يجري في دمشق وطرطوس واللاذقية والسويداء والقامشلي وحلب والغاب والقلمون.
ليست في اللقاءات العلنية مع رؤساء الدول، بل في المفاوضات السرّية التي تُعقد على دمائنا ومصير بلادنا.
ليست في المقابلات الإعلامية، بل في الوعود الإعلامية التي ترسم عالماً وهمياً عن التنمية والسلام وحقوق الإنسان، بينما الواقع في البلاد شيء آخر تماماً.
مشكلتنا لم تكن يوماً في أسماءٍ مدرجة على قوائم الإرهاب لأسباب سياسية، بل في الأفعال التي تُرتكب على الأرض: هل هي نضال وطني أم قتل على الهوية لخدمة أجندات لا تمتّ للوطن بصلة؟
ولم تكن مشكلتنا يوماً مع تيارٍ سياسي أو ديني، مهما كان محافظاً أو متشدداً، بل مع من رفع المصاحف على الرماح لا طلباً للحق، بل ليضع سيفاً على رقبة كل من يريد التفاوض والتوافق، وحين وصل إلى السلطة أغلق الكتاب وقال: “هذا آخر عهدي بك.”
مصلحة الناس والبلاد هي البوصلة الأخلاقية الأعلى. نرفض أن نقف يوماً في موقف “الجكر” الذي جرّ سوريين إلى معاقبة شعبهم لأنهم يعارضون النظام. فرضوا العقوبات ودمروا حياة الناس ومستقبل أولادهم، فقط لأنهم أرادوا إسقاط النظام.
لن نكون أبداً في موقف الهدم الذي فتح أبواب الجحيم على سوريا، واستدعى كل مرتزقة الأرض وسلاحها، ونصَب غرف عمليات في الشمال والجنوب لإسقاط نظامٍ مستبد نرفضه، لكننا نرفض أكثر أن يُسفك دمُ شعبٍ بأكمله تحت راية إسقاطه.
نحن لا نقبل أن يكون استقرار البلاد ثمناً للخضوع، ولا أن تكون السيادة ذريعةً للقتل والفساد. نقبل كل تقاربٍ أو تفاهمٍ يوقف النزيف ويعيد للسوريين حياتهم وكرامتهم، شريطة أن يقوم على الحقيقة والمحاسبة والتغيير الفعلي في بنية الحكم، لا على تبادل المصالح في غرفٍ مغلقة.
نرفض كل تسويةٍ تُبنى على الخداع، وكل خطابٍ يحاول اقناعنا بالقهر وباستمرار الظلم بحجة مظلوميات سابقة، وكل مشروعٍ يستبدل الاستبداد القديم بآخر جديد. نقبل فقط بما يصون كرامة الناس ويعيد لهم ثقتهم بأنفسهم وبدولتهم.
ولذلك، سيبقى نضالنا مستمراً، لا ضدّ طرفٍ بعينه، بل ضدّ منطق الطغيان أياً كان شكله أو اسمه. نضالٌ من أجل وطنٍ حرّ، دولةٍ عادلة، وكرامةٍ لا تتجزأ.
فالمعركة لم تكن يوماً بين سلطةٍ ومعارضة، بل بين من يريد بناء سوريا، ومن يريد امتلاكها.