دور مؤسسات السلطة في أزمة الهوية

محمود اسماعيل

تعد أزمة الهوية إحدى أكثر المعضلات تعقيدا في المجتمعات الحديثة لا لأنها مسألة فردية فحسب بل لأنها نتاج مباشر لعلاقة الإنسان بالمؤسسات التي تنظم حياته — من الدولة إلى المدرسة ومن الإعلام إلى السوق، فهذه المؤسسات لا تكتفي بتسيير الشؤون العامة، بل تعمل بوعي أو دون وعي على إنتاج أنماط محددة من الذوات وتوجيهها، وهنا تبرز أزمة الهوية بوصفها نتيجة لازدواجية دائمة بين ما يريده الفرد لنفسه وما تريده السلطة له.
تلعب السلطة دور المنتج للذات، وكان ميشيل فوكو من أبرز من كشفوا هذا الدور حين رأى أن السلطة لا تمارس فقط بالقمع، بل عبر (إنتاج الذوات) من خلال آليات الانضباط والمراقبة. فالمدرسة كما السجن والمستشفى تعيد تشكيل الفرد وفق معايير ترى أنها (طبيعية) بينما هي في الحقيقة بنى اجتماعية تنتج أنماط هوية متناوبة. فعندما يجد الإنسان نفسه موضوعا لهذه القوى تبدأ الهوية بالتشظي بين ما هو مفروض عليه وما يسعى لبلوغه.
أما كارل ماركس فقدم منظورا آخر حيث رأى أن البنى الاقتصادية المنتِجة للطبقات تمارس تأثيرا مباشرا في تشكيل الوعي. وهنا تتحول أزمة الهوية إلى انعكاس للاغتراب، فالفرد الذي تنزع منه قدرته على إنتاج معنى لذاته بسبب شروط اقتصادية مفروضة عليه يفقد انسجامه الداخلي. إن (الوجود الاجتماعي الذي يحدد الوعي) وفق ماركس يخلق أشكالا من الهوية ليست من نسج الفرد بل من نتاج السوق والملكية والعلاقات الإنتاجية.
أما إميل دوركايم فرفض اختزال الهوية إلى مجرد اختيار شخصي، مشيرا إلى أن المجتمع يفرض (وقائع اجتماعية) تضبط السلوك والتفكير، لكن المشكلة تظهر حين يصبح هذا الإطار الجمعي ضاغطا إلى حد يفقد معه الفرد قدرته على التكيف، فينشأ ما سماه دوركايم اللامعيارية، وهذه اللامعيارية ليست سوى تعبير آخر عن فجوة متسعة بين ذات تبحث عن معنى ومؤسسات تفرض عليها معنى آخر.
أما في القرن التاسع عشر، فقد نبه فردريك نيتشه إلى خطورة المؤسسات الأخلاقية والدينية التي (تسطح الفرد) وتمنعه من خلق قيمه الخاصة. ورغم أن نقده كان موجها للبنى الأخلاقية إلّا أن منطقه يمتد إلى أي مؤسسة تعمل على إنتاج (إنسان واحدي الشكل) بدل تمكين الفرد من أن يكون ما هو عليه.
مع مطلع القرن العشرين تحدث يورغن هابرماس عن (الفضاء العمومي) بوصفه مجالا للحوار وتكوين الرأي العام. لكن المؤسسات الإعلامية المعاصرة التي يهيمن عليها رأس المال، والدولة تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل الهوية وفق ما يخدم السلطة، وحين يصبح الإعلام المهيمن مصدرا رئيسيا لتحديد ما يجب أن نكونه أو نرغب فيه، تتعمق أزمة الهوية لا باعتبارها اختيارا صعبا بل نتيجة تشويش مستمر في مصادر المعنى.
خاتمة
تخلق مؤسسات السلطة -من خلال سياسات التربية، والإعلام، والاقتصاد، والقانون- بيئات تنتج نماذج جاهزة للهوية، وحين يتعارض هذا النموذج مع التجربة الذاتية العميقة تنشأ أزمة هوية لا تعالجها العودة إلى الذات وحدها، بل تتطلب إعادة التفكير في علاقة الإنسان بالمؤسسات وفي قدرة هذه المؤسسات على أن تكون فضاءات تمكين لا قوالب تشكيل.
فالتحرر من أزمة الهوية كما يوحي فوكو ونيتشه وماركس وهابرماس كل بطريقته يبدأ من تفكيك البنى التي تحدد من نكون قبل أن نختار أن نكونه.