الفتنة مستمرة.. فاحذروها
2025.12.27
أسد زيتون
سواء أكان نظام الأسد من يحكم سوريا قبل 2011 أو المهاتما غاندي أو جمال عبد الناصر أو كان الصحابة الأوائل قد بعثوا من جديد بهيئة جديدة ليحكموا.. فإن ما حدث سيحدث لأي سبب سواء كان حقيقيا أم مدبّرا ومختلقاً.. ولكل مقام مقال:
ديكتاتورية
قمع
فساد
عمالة
ظلم
فضيحة
..........
..وكل عنوان من هذه العناوين وكثير غيرها يصلح ذريعة لإشعال فتائل ثورات أعدّ لها مهندسوها كل ما يلزم لكي تحقق أهدافهم هم لا أهداف الثائرين.. وأردفوها بالمدد والدعم والإسناد على أمواج متتابعة من مليارات الخليج العربي...
لم يعد صالحا أن نشير إلى دولة بعينها أو حتى حلف دولي بعينه في سياق تحليل ما حدث ويحدث في هذا العالم أقلّه منذ عاصفة الصحراء 1991
ولا يقتضي أن يكون هناك مشكلة أصلا عندما يقرر مهندسو النظام العالمي أن يشعلوا ثورة هنا أو أن يطيحوا بنظام هناك...
فالنظام العالمي له أوتاده وركائزه في كل دولة من دول العالم.. في روسيا في الصين في إيران في كوريا الشمالية في كوبا في فنزويلا في أفغانستان في تركيا...
في كل دولة وكل مؤسسة عالمية يوجد أوتاد وأقطاب تعمل لصالح وبأمر ووفق خطط هذا النظام حتى وإن كانت تعلن أشد العداء له وتحاربه بأعتى الأسلحة.. إذ أننا نعيش جمعينا صراعات رهانات يملك هذا النظام صالتها ويستوفي أرباحه من الخاسر والرابح سواء بسواء...
أنا لا أتحدّث هنا عن نظرية المؤامرة.. فالتآمر طالما كان وسيبقى.. ليس بين الأعداء ولا بين الحاكم والمحكوم وحسب.. وإنما بين الشركاء والحلفاء أنفسهم وفي الأسرة الحاكمة نفسها على امتداد العصور التاريخية...
وإنما أتحدّث هنا عن طبيعة هذا النظام العالمي الذي يتخذ من الولايات المتحدة واجهةً وعصا غليظة.. وعن أسلوب البلطجة الجديد الذي ينتهجه عبر شخصية ترامب...
أرجو من القارئ المتابع أن ينتبه إلى أن ترامب لم يشر ولو مرة واحدة إلى حجم ودور وتأثير القوات الأمريكية في سوريا ولا إلى دور العقوبات التي فرضتها أمريكا.. ولكنه صرّح وأكد بوضوح على أن إسقاط نظام الأسد ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة كان بفضل تركيا وأن هذا النصر يحسب لها.. وحتى أن رفع عقوبات قيصر أتى استجابة لطلب من أردوغان.. ولم يكتف بذلك ولكنه أوضح أكثر من مرة علنا وأمام أردوغان أن تركيا كانت تسعى للسيطرة على سوريا منذ ألفي سنة .. أي منذ ما قبل مبعث النبي محمد.. دون أن يعترض أردوغان أو ينبث ببنت شفة...
تركيا اليوم مأزومة تعيش هواجس التقسيم والتفكك.. فالأموال الخليجية التي كانت تتدفق إليها منذ العام ٢٠١١ تحوّلت إلى أمريكا ترامب الداعمة للأكراد الممسكة بزمام السلطة في دمشق عن ضغوط تركيا...
وخشية الدخول في متاهة من الدهاليز المعقدة أيها السادة سأختصر وأوجز:
أمريكا باسم النظام العالمي تقول لمن يفهم:
مهد الحضارات القديمة "الهلال الخصيب" لي وحدي ولن أسمح بأي جزء منه لسواي.. ومن يظن أو يحسب نفسه شريكا لي في حبة تراب منه فلينتظر مني ما يصحّح له حساباته على طريقتي...
فهذه البقعة من العالم هي قلب العالم وفي قلبها سيقيم هذا النظام عاصمته ويعيد تشكيل الأقاليم والثقافة ورسم الخرائط والحدود...
ولمن لا يفهم أو لا يريد أن يفهم فإنها ستقول ذات الشيء وإنما على مذهب رأس الذئب المقطوع... وذلك أيها السادة أن أسدا وذئبا وثعلبا اصطادوا غزالا وأرنبا وطيرا..
فقال الأسد للذئب: كيف نقسم هذا الصيد يا ذئب؟
فأجابه الذئب: الغزال لك والأرنب لي والطير للثعلب
وإذا بالأسد ينشب براثنه على رأس الذئب ليتدحرج أمام عيني الثعلب وقد التفت إليه الأسد قائلا: اقسم لنا هذا الصيد يا ثعلب
فقال الثعلب: إنه مقسومٌ يا مولاي الغزال لغداك والأرنب لعشاك والطير فيما بينهما.
فضحك الأسد وقال له: من علّمك هذه القسمة يا ثعلب؟
فأجابه: رأس الذئب المقطوع يا مولاي...
تقدمت بهذا العرض مستهدفا أعضاء الاتحاد العلويين السوريين في أوروبا بشكل خاص عساهم أن يدركوا خطر استثارة العزائم ورفع المعنويات باستخراج عبارات من التراث الطائفي المنقول تذكّر بفتن لا نعلم صحّتها ولا سبيل إلى التحقق منها.. كأن يتضمن بيانهم العبارة الشهيرة:
(كد كيدك واسع سعيك....)
إذ أنه يأتي على رأس أهداف تفجير جامع الإمام علي في وادي الذهب بحمص إعادة إنتاج الفتن التي رويت هذه العبارات في سياقها.. واستخدامها يخدم هدف من خطط وهيأ الأسباب لمثل هذا التفجير الإرهابي...
الصورة المدنية العلمانية للعلويين رصيد عظيم لسوريا يحرج الغرب أي أنه يحرج النظام العالمي المستفيد الأول والأخير من إشعال الفتن في بلادنا ليستجير به الغرماء وينفذون مشيئته متحملين عنه جميع الكلف والخسائر دون أن يتكلف شيئا أو يلتزم بشيء...
فلنتمسك بالصورة المحرجة لمن يستهدفنا ويتربّص بنا فهي سلاحنا الوحيد بوجه تآمره علينا وكيده لنا...
يفترض بأعضاء اتحاد العلويين كمثقفين حضاريين أن يستخدموا لغة القانون والوجدان الإنساني الحضاري وأن لا يلوّثوا بالفتنة ذكرى الشهداء...
وما يتوجب على العلويين أن ينتبهوا له ويلتزموا به ينسحب على باقي الأقليات كتعبير مجازي غير مستحب وإنما للضرورة في هذه المرحلة الخطرة والحرجة...
الكرة في ملعب أهل السنة المعتدلين الحضاريين ليفهموا حقيقة ما يجري ويعطّلوا استغلال الدم السوري وضرب السوريين بعضهم ببعض لحساب هذا الطرف أو ذاك ممّن يباذرون على حصصهم.. فالخطر الحقيقي يستهدف أهل السنة قبل غيرهم وهم الذين يقررون اليوم بوعيهم وسلوكهم ثمن الخلاص من هذا الجحيم الذي لن يوفّر أحدا منا إذا تركنا الحبل على غاربه...
فالأمر لا يتوقف عند استهداف تكفيري لكنيسة أو مسجد.. ولكن عند شكل وأبعاد وأهداف الثقافة التي يسعى المتحكمون عن بعد إلى إشاعتها وترسيخ جذورها وتنشئة الأجيال عليها وفق المخطط الذي أشرنا إليه أعلاه أي عبر نشر التعصب والتكفير والإرهاب في بلادنا السيطرة عليها وأخذها بذريعة محاربته والقضاء عليه...
لقد عمدت أمريكا إلى لفت أنظار العالم عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي إلى الإرهاب التكفيري الإسلامي ونجحت نجاحا مذهلا جعل من العرب والمسلمين مهزلة وسخرية واشمئزاز الأمم...
فلتفعل أمريكا ما تريد ولتحارب صنعتها.. وإذا أرادت أن تزيح روسيا وتركيا من المنطقة فلتفعل ولكن ليس على دمائنا...
إنها فتنة عمياء يا قوم.. وإذا لم نستطع حيالها شيئا فلنأخذ فيها بنصيحة الإمام علي ولنكن فيها كابن اللبون لا ضرعا فيحلب ولا ظهرا فيركب...