كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العودة الى سورية.. رحلة بين الحلم والتأمل

القاضي حسين حمادة

عدتُ إلى سورية بعد فترةٍ قصيرة من سقوط النظام الأسدي، كمن يعود إلى قلبه بعد غيابٍ طويل، حاملاً معي حزمةً من الأفكار والرؤى التي لطالما حلمتُ أن تُبنى عليها دولةُ القانون؛ دولةٌ تقف على قدميها بثبات، تُعلي شأن الإنسان، وتصون حريته وكرامته.
جئت الى سورية برغبةٍ صادقة في تقديم جهدٍ عملتُ عليه لسنوات: (دراسة موسّعة لمنظومةٍ دستورية وقانونية إشكالات آنية وآفاق مستقبلية) وأؤمن بأن هذه الدراسة قادرة على الإسهام في وضع حجر الأساس للوطن القادم.
لكن ما إن وصلتُ إلى دمشق، حتى بدأ الخوف يتسلّل إلى داخلي… خشيتُ أن تُساء دوافعِي بطلب لموقع، أو أن يُختزل في ظرفٍ يُدفع إليّ، يحوي حفنةً من الدولارات، كما حدث مع أحد الذين سبقوني.
عندها صرفت النظر عن محاولة لقاء المسؤولين وأكملت طريقي إلى حلب، مسقط الرأس وموضع الجرح الأول، وهي المدينة التي دفنتُ فيها يومًا حلمًا مؤجّلًا.
وهناك تواصلتُ مع صديقي محمد رعدون قريب رئيس جامعة حلب الدكتور أسامة رعدون، وطلبت منه نقل رغبتي في إقامة ندوة في جامعة حلب بعنوان: المنظومة القانونية السورية واقع مأزوم وآفاق مستقبلية، وزودته بنسخة من المحاضرة.
فتواصل بدوره مع رئيس الجامعة، الذي رحب بالفكرة، لكنه طلب مني الاتصال بـ«الشيخ المشرف على الجامعة» استأذنه في إلقاء محاضرتي، وأرسل إليّ رقم هاتف الشيخ.
عندها، أصابتني خيبةٌ كبيرة، واجتاحني شعورٌ بالحزن والألم لا يقلّ، وربما يزيد، عمّا ألمّ بي وبعائلتي إبان فترة الثورة السورية.
فآثرتُ الصمت، واعتكفت في بيتي المتضرر، ثم اقفلت راجعًا إلى منفاي في ألمانيا، أما الوطن، فذلك الذي لم أغادره يومًا، وإن ابتعدتُ عنه جسدًا. وطنٌ أسكنه بروحي وعقلي ووجداني.
وهناك، ربما يكون منبري الصغير- صفحتي على فيسبوك - هو المتاح لي، وأُعلّل نفسي بالقول: إن هذا المنبر، على ضيقه، أكثر صدقًا من القاعات الكبيرة.