كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ارستقراطية الرماد.. حين تعجز “النخبة” عن رؤية شعبها وهو يُساق إلى الفناء

ريتا خير بك

 اليوم، بعد قرابة عام على دخولي الشأن العام، تبلورت في ذهني فكرة واحدة كأنها مركز كل تضاد بيني وبين ما يُسمّى (النخب العلوية): الفجوة ليست فجوة رأي بل فجوة وضع وجودي.
أنا أقف الآن في مطبخي وأفهم نفسي بوضوح: أتحرك بمنطق مود البقاء. ليس شعاراً ولا استعارة رومانسية، بل حالة نفسية-سياسية كاملة: كائن يقرأ العالم من زاوية التهديد، ويحسب الكلمات كأنها خطوط دفاع، ويقرأ التاريخ كأنه سلاح أو جرح مفتوح، ويصغي للناس لأن أصواتهم قد تكون آخر ما تبقّى من “الواقع” قبل أن يُمحى.
بينما هم يتصرفون كمن يعيش خارج هذا الامتحان الوجودي. أبناء فلان، أحفاد فلان، سلالة فلان: رأس المال الرمزي لديهم يحميهم من الإصغاء، ويمنحهم امتيازاً أخطر من السلطة: امتياز البرود الأخلاقي. كأنهم يعيشون فوق الناس، فوق خوفهم، فوق القرى التي تُخطف منها البنات وتُقتل منها الأمهات، وفوق سؤالٍ بسيط لا يرف لهم جفن عنده: هل سيبقى هذا الشعب حياً كي نختلف لاحقاً على البرامج والتيارات؟
في زمن الإبادة لا تكون السياسة ترفاً، ولا تكون “اللغة التقدمية” زينة علاقات عامة لتطمين الأكثرية. السياسة هنا تعود إلى معناها الأول: من يملك الحق في الحياة؟ من يملك الحق في الذاكرة؟ من يملك الحق في أن يُذكر اسمه بلا احتقار؟ أن تطلب من شعبٍ يُستنزف وجوديا أن “ينتج خطاباً جذابا" قبل أن تضمن له الأمان، يشبه أن تطلب من الغريق أن يكتب بياناً عن جمال السباحة. هذا ليس تقدما.
هذا إنكار متحضر لواقع الدم.
اكتشفت أن كثيراً من هؤلاء “الممثلين” لا يحملون خبرة الساحل ولا رائحة البيوت التي فُتحت على الفاجعة. عاشوا العمر في دمشق أو خارج سوريا، ثم عادوا بعد المجزرة كأنهم يعودون إلى مسرح بعد انتهاء العرض: يتكلمون بلسانٍ مصقول، لكنهم لا يسمعون الصراخ الذي لم يتوقف. إنهم يريدون تمثيل القرية بعد الخطف والقتل والسبي، كما لو أن التمثيل هو صك وراثة: لقبٌ، نسبٌ، شبكة علاقات. أما الناس، فتبدو لهم مادة خاماً لبناء صورة وواجهة.
وهنا يظهر التشابه المر مع بشار الأسد: ليس لأنهم يمتلكون سلطته، بل لأنهم يشتركون معه في جوهر واحد: العجز عن رؤية العلويين كأناس.
الأسد لم ير فيهم يوماً شعباً له حق، بل مرافقة لقصرٍ قديم، وحرساً لظل الأب، ثم وقوداً لحربٍ أكلت أجسادهم ومعناهم. وهؤلاء لا يرونهم كذلك أيضاً، لكن بطريقة أنيقة: يرونهم “كتلة” تُدار خطابياً، “جمهوراً” يُعاد تهذيبه سياسياً، و”حالة” يمكن اختزالها في ورقة موقف.
في علم النفس، هناك فرق بين من يعيش في مأمن ومن يعيش تحت تهديد مستمر: الأول يملك رفاهية التعقيد، والثاني تتكثف لديه البوصلة حول الضروري. تحت الخطر الإبادي ترتفع الحساسية؛ يصبح الانتباه حاداً، والنبرة قاسية، والذاكرة يقظة، لأن الدماغ لا يتعامل مع الفكرة بوصفها فكرة بل بوصفها إشارة تهديد. أما من يسكن القصر العاجي—قصر النسب أو المنفى أو الشبكة—فلا تُنذرهم الإشارات نفسها. يبدون عقلانيين، لكن عقلانيتهم ليست فضيلة؛ إنها نتيجة عدم دفع الثمن. لذلك لا يفهمون لماذا نقول: “اليوم ليس وقت التجميل”. لا يفهمون لأن أجسادهم لم تُسأل.
سياسياً، المشكلة ليست أنهم يختلفون معنا، بل أنهم غير معنيين بما يجعل الخلاف ممكناً أصلاً: بقاء الناس. إنهم يتعاملون مع لحظة خطر إبادي وكأنها مرحلة علاقات عامة: كيف نبدو؟ كيف نخاطب؟ كيف نفاوض؟ بينما السؤال الحقيقي: من يُختطف الليلة؟ من يُقتل صباحاً؟ من يُمحى من الجغرافيا والذاكرة معاً؟
وهنا، بالمعنى الذي كانت هانا آرندت تلاحقه بلا هوادة: أخطر أشكال الشر ليس الصراخ الوحشي فقط، بل العاديّ البارد، الإداريّ، النخبويّ، الذي يحوّل الألم إلى ملف، والناس إلى أرقام، والذبح إلى “سوء تفاهم”. إنهم لا يرون الإبادة لأنهم لم يقرروا أن ينظروا؛ لأن النظر يلزمهم بموقف، والموقف يلزمهم بدفع ثمن، وهم يريدون تمثيلاً بلا ثمن، وزعامة بلا مخاطرة، وسياسة بلا جسد.
لذلك، حين أقول إنهم منفصلون عن الشعب العلوي، فأنا لا أطلق شتيمة. أنا أصف واقعاً نفسياً وسياسياً: هم خارج مود البقاء، وخارج حساسية الخطر، وخارج لغة الناس البسيطة التي تعرف أن الحياة ليست بنداً في برنامج. في لحظة كهذه، النخبة التي لا تشعر بتهديد شعبها لا تكون نخبة… بل تكون ستارة. ستارة تُخفي القتل وراء مفردات مهذبة، وتخفي الخطف وراء توازنات، وتخفي السبي وراء “الخطاب الوطني”.
أما نحن، فنفهم السياسة على حقيقتها الآن: ليست لعبة ذكاء، بل معركة على الحق في الوجود. والحق في الوجود لا يُستجدى بخطاب يرضي الآخرين، بل يُنتزع أولاً باعترافٍ واضح: أن شعباً يُستهدف لأنه هو… وأن أي حديث لا يبدأ من هنا ليس اختلافاً فكرياً، بل مشاركة، صامتة أو متأنقة، في محو الضحية.
الصورة من مجازر الساحل: والله دبحونا يا عمي