ثلاثة وجوه
عبد الكريم الناعم
إذا رأيتَ بلداً طافحاً بالأشجار والخُضرة والحدائق، فثقْ بأنّه بلد منفتح، وأخضر، وأنّه حين يكون من بلدان العالم الثالث فاعلم أنّه يحمل وعْد النّماء، وإذا رأيتَ بلَداً وقد جزَّ أهلوه أشجاره فاعلم أنّ ذلك أحد عناوين الكارثة التي مرّت أو التي ستمرّ.
البلدان الصحراويّة، والتي كلّ ثروتها أنّ النفط قد اكتُشف فيها، هذه حملت قُحولتَها في كلّ مظاهرها، فاستوردوا ناطحات السّحاب من الغرب كما يستوردون معاجين الأسنان، وحين سعوا لبناء قوّة ثقافيّة إعلاميّة، و(اشتروا) العديد من الأقلام، كان حاصلهم الثقافي الإنساني خاوياً، أجرد، وأخطر ما اختزنوه فكرهم المذهبي التكفيريّ الذي فرّخ كلّ هذه المصائب.
هذه الجرادة أنتجتْ محمد بن عبد الوهاب الذي أضاف جنوحات أخطر على الإسلام، من تلك التي استند إليها، وهو لم يتواءم معها إلاّ لأنّها تعبّر عن جرادة الرؤيا، وتصحّرها، ولعلّ هذا يُفسّر الدّعاء المحمديّ لأهل الشام واليمن: "بارك اللّهمّ لنا في شامنا وفي يمننا".
ليس (التعليم) وحده مَن يصحّح المسار، بل أضيف، برؤيا شاعرية عالية، و.. زراعة الأشجار.
2
أعلنُ عجزي عن (الحُلم)، والذي هو أحد بوابات أيّ إبداع.
في زمن الحرائق الكبرى كالتي تمرّ بها أنت لا (تحلم)، فالدّمار، والخوف، والقلق يسدّ آفاق الحلم، الحلم لكي يتحقّق يحتاج الرّاحة، بمعانيها الروحيّة.
ليس وقتَ ( الحلم)، الذي يقيم توازنات شخصيّة أو عامّة بين الواقع المؤلم، والحلم اللذيذ، في أزمة الكوارث تلمّ الأحلام أجنحتها وتسافر إلى مناطق أكثر أمْنا.
الواقع الذي نواجهه، بحصاره، وقسوته، قهر الحلم.
لعلّ مَن يقول لا يمكن تجفيف الحياة من نداوات الحلم، وهو قول صحيح، ولكنّه في الحالة التي نحن بصددها لا يستطيع البقاء، لأنّه من طبيعة أخرى، وقد يقول البعض ما هذا الذي لا يتركنا وهو من جنس الحلم؟ لهذا أقول إنّه (الأمنية)، وثمّة فرق بين الأمنية والحلم.
أنت تتمنى، ولا تحلم، لأنّك حين تحلم يأخذك الحلم إلى رهافاته، وإلى عوالمه بقدر ما، أمّا ما نحن فيه فهو (الأمنية).
الأمنية بنت الواقع بكل رشوحاته، وفي الحلم قدْر من الخيال والتّوق،
في (الأمنية) ظلال من الحلم، ولكنّها ليست حلماً.
3
جمْع من النّسوة جلسن يتحدّثن ويضحكن بصخب ومرَح، وكان ذلك بجوار بيت رجل حرمتْه الأيام من الفرح، فخرج عليهنّ، ووبّخهنّ، واستغرب كلّ هذا القدر من الضحك والكهْكهة، فردّت إحداهنّ: "نريد أن نضحك، فما الذي أزعجك"؟! فردّ عليها ردّا مُفحما: "من يريد الضحك ليضحكْ عند بيته، وليس عند بيتي"...
نشر في صحيفة العروبة الألكترونيّة زاوية "تحيّة الصباح" في 16/5/2016.