كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في أزمة التمثيل وبنية الشرعية السياسية في سورية

مروان حبش

إن المشهد الانتخابي الأخير في سورية لا يمكن النظر إليه بوصفه حدثًا سياسيًا عابرًا أو مجرد استحقاق دستوري متكرر، بل هو مؤشر دالّ على طبيعة الأزمة البنيوية التي تعصف بمفهوم الشرعية والتمثيل السياسي في الدولة السورية الجديدة. فالانتخابات التي جرت مؤخرًا، على الرغم من زخمها الإعلامي وتنظيمها الإداري، بدت أقرب إلى طقسٍ سياسي يعيد إنتاج الثبات، لا إلى عملية ديمقراطية تُحدث تحولًا في بنية السلطة أو في آلياتها التمثيلية.
إن التعليقً على هذه الانتخابات لا يتوقف عند حدود النقد السياسي، بل يتجاوزها نحو تحليل إشكالية العلاقة بين السلطة والشرعية في النظام السياسي السوري. إن الانتخابات جرت ضمن بيئة مغلقة، وتحت هيمنة رؤية أحادية، تعني ضمنيًا أن الدولة ما زالت تُدار بمنطق "التعبئة" لا بمنطق "التمثيل"، وبالانسجام الموجّه لا بالتعدد الطبيعي الذي يعبّر عن اختلاف الإرادات الاجتماعية والسياسية داخل الشعب.
إن فكرة "الانسجام" التي تبنتها القيادة السياسية ليست سوى تعبير آخر عن الرغبة في تجميد التاريخ، أي تحويل السياسة إلى مجالٍ خالٍ من التوتر والجدل، بينما جوهر السياسة في الأصل هو إدارة الاختلاف وتنظيم الصراع ضمن قواعد قانونية وأخلاقية تتيح إمكان التعايش. وبهذا المعنى، فإن نفي التعددية هو نفيٌ للسياسة نفسها، وتحويل المجال العام إلى فضاء إداري تهيمن عليه البيروقراطية والأجهزة لا الإرادة الشعبية.
إن الدعوة الدائمة لعقد مؤتمر وطني شامل، لا يستحضر مجرد فكرة مؤسساتية بديلة، بل يستند إلى تصور فلسفي عن الدولة الحديثة باعتبارها نتاج عقد اجتماعي متجدد، لا بناء جامد مغلق. فالعقد الاجتماعي، في جوهره، ليس وثيقة تُوقّع مرة واحدة، بل هو عملية مستمرة من إعادة التفاوض بين مكوّنات المجتمع على معنى السلطة، وحدودها، وأدواتها، ومصدر شرعيتها. ومن دون هذا الحوار المفتوح، تتحول الدولة إلى كيانٍ سلطوي ينفي المجتمع ولا يمثل تطلعاته.
إن ما يمكن تسميته اليوم بـ"أزمة التمثيل" في سورية لا يكمن فقط في نتائج الانتخابات أو طريقة إدارتها، بل في غياب الاعتراف بالسيادة الشعبية كمصدرٍ فعلي للشرعية. فحين تُصاغ الحياة السياسية على مقاس السلطة لا على مقاس المجتمع، تُختزل المشاركة إلى شكلٍ رمزي، وتتحول الانتخابات إلى أداة لإعادة إنتاج النظام القائم، لا إلى آلية لتجديده أو مساءلته. وبذلك، تنقلب الوظيفة الأصلية للانتخاب — التي هي التعبير عن الإرادة العامة — إلى أداة لاحتكارها.
يستدعي هذا الوضع تأملًا أعمق في مفهوم الشرعية السياسية ذاته. فالشرعية ليست مجرد مشروعية قانونية أو دستورية، بل هي بالأساس توافقٌ اجتماعي على معايير الحكم العادل. وحين يتآكل هذا التوافق، تصبح الدولة قائمة على الامتثال لا على القبول، وعلى الخوف لا على الثقة. عندئذٍ، يغدو الاستقرار هشًّا، لأنه لا يستند إلى اقتناع جماعي بالمشترك الوطني، بل إلى إدارةٍ مستمرة للأزمات.
من هنا تبدو الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل بمثابة محاولة لاستعادة السياسة من يد السلطة، أي إعادتها إلى فضائها الطبيعي: "المجتمع". فالمؤتمر، بوصفه صيغةً جامعة، ليس بديلًا عن المؤسسات الدستورية، بل هو مدخل لإعادة تأسيسها على قاعدة المشاركة والتوافق. إنه مشروع لإعادة تعريف الدولة السورية الجديدة بوصفها كيانًا لكل مواطنيها، لا إطارًا يحتكر فيه جزءٌ من المجتمع تمثيل الكل.
إن الرؤية المطروحة تتجاوز حدود الحدث الانتخابي لتلامس أسس التحول الديمقراطي نفسه. فالديمقراطية هنا لا تُختزل إلى صندوق اقتراع، بل تُفهم كعملية تحويل للسلطة من علاقة فوقية إلى علاقة تعاقدية، ومن امتياز مغلق إلى مسؤولية خاضعة للمساءلة. وهي بذلك تستدعي إعادة بناء الوعي السياسي للمجتمع السوري حول قيم المواطنة والحرية والمشاركة، بعيدًا عن ثقافة الوصاية السياسية التي حكمت العلاقة بين الدولة والمجتمع لعقود طويلة.
لقد أظهرت التجربة السورية خلال السنوات الماضية أن الإصلاح من الداخل دون إرادة سياسية جامعة لم يعد ممكنًا، وأن الحفاظ على الاستقرار الحقيقي يمر عبر طريق واحد: بناء نظام سياسي يقوم على التعدد، والمساءلة، وتوازن السلطات، واحترام إرادة الشعب في تقرير مصيره. فالسلطة التي لا تجد شرعيتها في الإجماع الوطني مصيرها إلى العزلة، مهما حاولت أن تُخفي ذلك بلغة الإنجاز أو الخطاب التعبوي.
إن وعيًا نقديًا في الخطاب السياسي السوري المعاصر، لا يجوز أن يكتفي بتوصيف الأعراض، بل يشخّص العلّة في بنية النظام نفسه: في غياب العقد الاجتماعي الحيّ، وفي اختزال الدولة إلى سلطة لا إلى فكرة جامعة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على صناديق الاقتراع بوصفها آلية شكلية، بل على إرادة التأسيس لعقد وطني جديد، يعيد للسياسة معناها، وللمواطن مكانته، وللوطن وحدته الأخلاقية والرمزية.
 
خمسون سؤالاً وأكثر بشأن مواقف أوجلان وأفكاره تختزل هويته؟ (خميرة لعجين الذاكرة الخَؤون)
العراق ما بعد رحيل الخامنئي.. وصناعة خريطة الغد
حين تتحول القمم الى غرف لإعادة هندسة المشرق العربي!
مستقبل التعايش ونهاية النمط السوري في الحياة
حين تصبح الشهادة بديلًا عن العلم!
حين تغيب العدالة.. تفقد كرة القدم شعبيتها!
تنشيط الذاكرة الوطنية الفلسطينية
لبنان بين المقاومة والتطبيع!
العدوان الأمريكي على إيران ينتقل من السياسة إلى الرياضة!
العلوية والاثنا عشرية في القرن العشرين.. تقارب الهوية وتباين البنية العقدية
تسريب امتحانات الثانوية العامة.. جريمة تهدد العدالة التعليمية!
اتفاق جنيف وتحولات الصراع الإقليمي:. نحو توازنات جديدة في الشرق الأوسط
اتفاق جنيف على حافة الانهيار!
نهاية الحرب لا تعني بداية سلام: الاتفاق الأمريكي الإيراني ومخرجاته العبثية
العلوم الاجتماعية وسوق العمل!