قمة شرم الشيخ وغياب ابن سلمان وابن زايد
2025.10.18
مروان حبش
من أكثر اللحظات حساسية في المشهد السياسي العربي، وهي غياب اثنين من القادة العرب -محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد، عن قمة شرم الشيخ التي وُصفت بأنها "قمة السلام 2025"، والتي ارتبطت بخطة سلام أمريكية جديدة يقودها الرئيس ترامب، تستحضر في جوهرها الروح القديمة لـ "صفقة القرن" ولكن في ظروف سياسية مختلفة وأكثر اضطراباً.
هذا الغياب، لم يكن مجرّد مصادفة بروتوكولية أو مسألة جدول أعمال مزدحم، بل يحمل في طياته رسائل سياسية عميقة تتجاوز الشكل إلى الجوهر. فحين يشكر ترامب الحاضرين ويدعو وليّ عهد الإمارات للوقوف لتلقي المديح، فيكتشف غيابه، فإن الإحراج الذي يتركه هذا المشهد لا يخص ترامب وحده، بل يعكس فتوراً واضحاً من بعض الدول العربية تجاه مشروع السلام الأمريكي الذي يبدو أنه لم ينجح في بناء إجماع عربي حول تفاصيله ولا حول فلسفته السياسية.
من بين الإشارات التي يبرزها هذا الواقع، أن الخلافات الجوهرية بين مصر والسعودية والإمارات تدور حول ملف حماس ومستقبل غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي المفترض. هذه النقطة تمثل لبّ الخلاف الحقيقي، فهي تمسّ جوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. إن الرياض وأبوظبي تريدان نموذجاً مشابهاً لما حدث في "مكافحة التطرف" داخل حدودهما، أي نزع سلاح حماس وإقصاؤها عن المشهد السياسي، بينما ترى القاهرة أن هذا الطرح غير واقعي، وأن التعامل مع حماس كجزء من الواقع السياسي الفلسطيني ضرورة لا مفرّ منها لتحقيق أي تهدئة أو اتفاق دائم. هذا التباين يعبّر في الحقيقة عن فلسفتين متناقضتين في التعاطي مع الحركات الإسلامية: الأولى إقصائية – أمنية، والثانية براغماتية – تفاوضية.
يكشف هذا الواقع كذلك هشاشة فكرة "التحالف العربي الموحّد" خلف أي مشروع إقليمي، إذ يتضح أن كل دولة تتحرك بدافع أولوياتها الوطنية وحساباتها الخاصة. فمصر، التي تستضيف القمة وتراهن على دورها كوسيط مركزي، تحاول أن تستعيد زمام المبادرة السياسية في المنطقة وتوازن نفوذ الرياض وأبوظبي والدوحة وأنقرة في الملف الفلسطيني. وفي المقابل، يبدو أن السعودية والإمارات تريان أن السيسي تجاوزهما في التنسيق واحتكر التفاوض مع الأمريكيين والقطريين والجانب الفلسطيني، وهو ما أثار امتعاضهما وأدى إلى هذا الغياب المتعمد أو شبه المقصود.
من زاوية أخرى، يعيد هذا الواقع إلى الذاكرة إخفاق "مؤتمر الدول المانحة لغزة" عام 2014، حين تعهدت الدول بمبالغ ضخمة لم تصل فعلياً إلى أهدافها. هذه الإشارة ليست عابرة، بل توحي بأن "مؤتمر المانحين الجديد" الذي يُفترض عقده قريباً، مهدد بأن يلقى المصير ذاته. فالتجربة السابقة علّمت الجميع أن وعود إعادة الإعمار كثيراً ما تُستعمل كأداة سياسية لشراء الوقت وامتصاص الغضب، دون التزام فعلي بالتنفيذ. وإذا كانت الخطة الجديدة تقدّر تكلفة السلام بـ70 مليار دولار، فإن السؤال الحقيقي هو: من سيدفع هذه الفاتورة الضخمة في وقت تعاني فيه المنطقة من أزمات اقتصادية خانقة، وأسواق طاقة متقلبة، وصراعات مفتوحة في اليمن والسودان ولبنان؟
أما الشقّ الآخر، والمتعلق بـ“قوة الاستقرار الدولية”، يفتح الباب أمام معضلة أكبر وهي من الذي سيجرؤ على إرسال قوات إلى غزة لتطبيق اتفاق هشّ في ظلّ رفض شعبي فلسطيني متوقّع لأي وجود عسكري أجنبي؟ الولايات المتحدة اكتفت بإرسال 200 جندي بصفة مراقبين، ما يعني أنها غير مستعدة لتحمل كلفة سياسية أو بشرية لأي تورط مباشر. أمّا الدول العربية، فهي تدرك أن المشاركة في مثل هذه القوة قد تُفسَّر كدور أمني بالوكالة عن إسرائيل أو واشنطن، وهو ما سيضعها في مواجهة داخلية محرجة أمام شعوبها.
يُظهر الواقع أيضاً أن خطة ترامب رغم مظهرها "الاقتصادي الإعماري" ما زالت تعاني من العطب ذاته الذي واجهته "صفقة القرن". غياب الرؤية السياسية التي تضمن شراكة فلسطينية حقيقية. فطالما يتم تجاهل السلطة الفلسطينية، أو التعامل مع حماس باعتبارها عقبة فقط، فلن يكون هناك استقرار ولا قبول شعبي لأي ترتيبات لاحقة.
كما أن مصافحة ترامب لعباس بدافع من ماكرون، تختصر ببلاغة الموقف الأمريكي الذي ما زال يتعامل مع القضية الفلسطينية بسطحية رمزية أكثر منها سياسية.
في المحصلة، تعكس الحقيقة صورة واقع عربي مأزوم، تتنازعه التباينات والمصالح، ويعجز عن صياغة موقف موحّد تجاه أي مبادرة دولية كبرى. القمة التي أرادها ترامب منصة لإطلاق "سلام شامل"، تحوّلت عملياً إلى مرآة تكشف تآكل الثقة العربية – العربية، وانكشاف البنية السياسية الإقليمية أمام الضغط الأمريكي والإسرائيلي. أما مؤتمر الدول المانحة القادم، فقد يصبح مجرد تكرار باهت لسابقيه: وعود مالية كبيرة، وحضور دبلوماسي كثيف، لكن بلا أثر فعلي على الأرض ولا على حياة الفلسطينيين في غزة.
بكلمة، يمكن القول إن "قمة شرم الشيخ" لم تفتح باب السلام بقدر ما كشفت عمق الفجوة بين أطرافه، وإن غياب الزعيمين لم يكن غياباً عن جلسة بروتوكولية فحسب، بل انسحاباً محسوباً من مشروع لم يتبلور على قاعدة مشتركة، بل على حسابات متناقضة ومصالح متضاربة، تُبقي "السلام" مجرد كلمة تتكرر في البيانات الختامية، أكثر من كونها واقعاً يُترجم في الميدان.