الإخوان المسلمون ووثيقة "العيش المشترك"
مروان حبش
خلفية وسياق صدور الوثيقة
تأتي وثيقة «العيش المشترك» في لحظة انتقالية من تاريخ سوريا، حيث تمر البلاد بمرحلة إعادة تشكيل سياسية وإدارية بعد حوالي عقد ونصف العقد من الحرب والانقسام المجتمعي العميق، وصعود سلطات محلية متعددة الولاءات. في هذه البيئة، يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا- التي كانت أحد أبرز الفاعلين في المعارضة الإسلامية منذ السبعينيات - تحاول إعادة تقديم نفسها في المشهد السوري، ليس كقوة أيديولوجية مغلقة، بل كطرف منفتح على خطاب "الدولة المدنية الديمقراطية".
الوثيقة ليست مجرد إعلان مبادئ أخلاقية، بل محاولة لاستعادة الشرعية السياسية والإعلامية في ظل "السلطة السورية الجديدة" التي تبدو غير معنية بمنح "الإخوان" موقعاً في ترتيبات ما بعد الصراع.
- مضمون الوثيقة ومقومات خطابها.
تُبنى الوثيقة بالكامل حول مفهوم محوري هو "العيش المشترك" الذي تحاول الجماعة من خلاله أن تُقدّم نفسها كصاحبة رؤية وطنية جامعة لا فئوية
"العيش المشترك" هنا لا يُعرَّف بمصطلحات دينية: (أمة، جماعة، دار إسلام)، بل بمفاهيم مدنية: (احترام الآخر، العدالة، التعاون، والمواطنة).
الجماعةُ تسعى لتأصيل المفهوم دينياً عبر الاستشهاد بآيات قرآنية خصوصاً آية (يا أيها الناس إنا خلقناكم...)، لكنها تُسقط عليه مضموناً سياسياً حداثياً، أي أنها تحاول التوفيق بين المرجعية الإسلامية والخطاب الديمقراطي الليبرالي.
- مرجعية "صحيفة المدينة"
هذا المرجع متكرر في أدبيات الإسلام السياسي المعاصر، ويُستخدم لتبرير عقد اجتماعي إسلامي – مدني توظّفه الوثيقة لتأكيد فكرة "التعاقد" بين مكوّنات الدولة السورية، على غرار التعاقد الذي تم بين المسلمين واليهود في المدينة المنورة، في محاولة لتأصيل فكرة "التعددية" من داخل النص الإسلامي.
- الدولة المنشودة
تصف الوثيقةً الدولةَ السورية المستقبلية بأنها: يمقراطية تعددية قائمة على التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، تقوم على مبدأ المواطنة وفصل السلطات، تُلغي المحاكم الاستثنائية، تصون حرية الاعتقاد والدين، تجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العنف.
هذا الخطاب يمثل قطيعة ظاهرية مع الصيغ السابقة التي كانت الجماعة تطرحها في ثمانينيات القرن الماضي مثل مشروع "الدولة الإسلامية" أو "الحكم بالشريعة")، بينما يُعاد الآن تعريف الإسلام السياسي السوري ضمن إطار ديمقراطي مدني يحاول أن ينسجم مع قيم ما بعد الانتفاضة.
الجيش والسياسة
من اللافت أن الوثيقة تُصرّ على حظر تدخل الجيش في السياسة وإخضاعه للرقابة البرلمانية، وهي صياغة أقرب إلى النماذج الديمقراطية الغربية.
هذا التصور يمكن قراءته كتعبير عن ذاكرة الصدام التاريخي بين الجماعة والسلطة االأسدية منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين تحوّل الجيش إلى أداة للحاكم المستبد. فالتأكيد على حياد المؤسسة العسكرية يُعدّ أحد أبرز دروس تلك التجربة.
- قضايا النوع الاجتماعي والشباب
تتحدث الوثيقة عن التمكين المشروع للمرأة ورفض تهميش دورها، تمكين الشباب والنهوض بدورهم،
وتساوي أبناء الشعب في الكرامة والحقوق.
هذا التطور مهم من حيث تحوّل الخطاب الإخواني من لغة الوعظ الأخلاقي إلى خطاب سياسي حقوقي، ينسجم مع مفردات حقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
تجمع لغة الوثيقة بين النَّفَس القرآني-الشرعي والخطاب السياسي المدني. وتُستخدم مفردات مثل العيش المشترك، العدالة، المواطنة، التعددية، سيادة القانون، التنمية المستدامة، التمكين، وهي مصطلحات تشكل اليوم قاموس الخطاب الأممي الديمقراطي، لكنها تُقدَّم في غلاف شرعي لضمان قبولها لدى جمهور الجماعة.
تمثل الوثيقة بهذا المعنى تحديثاً بلاغياً للخطاب الإسلامي التقليدي، حيث يتم استبدال الحديث عن "الحكم بما أنزل الله" بالحديث عن "سيادة القانون"، وعن "الشورى"بـ "التداول السلمي للسلطة".
يمكن النظر إلى الوثيقة من زوايا متعددة:
-إعادة التموضع، إذ يحاول الإخوان العودة إلى المشهد السياسي من خلال تبنّي لغة توافقية ترضي الداخل والخارج، خصوصاً في ظل تراجع الدعم الإقليمي لهم بعد 2013 في مصر وبعض دول الخليج وتونس.
-رسالة للغرب، لأن الوثيقة موجّهة بوضوح إلى المجتمع الدولي، لتثبت أن الجماعة لا تمثل تهديداً دينيّاً أو طائفياً، بل شريكاً في بناء دولة مدنية تعددية.
=ضعف القدرة التنظيمية، إن الجماعة اليوم محدودة التأثير داخل سوريا. لذا فإن الوثيقة لا تعبّر عن مشروع سلطة بقدر ما هي مذكرة نوايا سياسية وأخلاقية، تهدف إلى البقاء في الذاكرة السياسية السورية.
-رهان على المستقبل البعيد بتبني خطاب وطني جامع، تراهن الجماعة على أن أي حل سياسي قادم سيحتاج إلى قوى تحمل "مشروع مصالحة"، ما قد يفتح لها نافذة للمشاركة.
رغم الطابع الإيجابي لمضامين الوثيقة، إلا أن هناك ثغرات فكرية يمكن ملاحظتها، منها غياب "النقد الذاتي"، فلا تتضمن الوثيقة مراجعة نقدية لتجارب الجماعة السابقة أو دورها في عسكرة الانتفاضة أو دورها في تهميش الضباط المنشقين أو دورها في الانقسام الأهلي خلال العقود الماضية.
يؤخذ على الوثيقة طابعها العام، إذ أن كثيراً من البنود بصياغتها أقرب إلى بيانات النوايا، بلا آليات تنفيذ أو رؤية مؤسساتية واضحة. وهناك ازدواج المرجعية، حيث تؤصل الوثيقة شرعياً لمفاهيم علمانية (الديمقراطية، سيادة القانون)، مما يطرح سؤالاً حول مدى قابلية هذا التوليف للاستمرار عند التطبيق العملي.
لا تتحدث الوثيقة صراحة عن الموقف من النظام الحالي أو آليات الانتقال السياسي، مما يوحي بأنها وثيقة لتجنّب الاصطدام بالسلطة، ولتبييض صورة أكثر منها خطة سياسية واقعية.
وملاك القول إن وثيقة «العيش المشترك» تمثل تحولاً في الخطاب لا في البنية. فهي تُظهر جماعة الإخوان المسلمين في سوريا كقوة تسعى للتأقلم مع متطلبات عصر ما بعد الحرب - عصر المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان - لكنها في الوقت نفسه تحافظ على لغتها الإسلامية التقليدية لتبقى مقبولة داخل قاعدتها الاجتماعية. وهي بيان نوايا تصالحي أكثر من كونه مشروعاً سياسياً تنفيذياً،
تحاول عبره الجماعة أن تعيد تعريف نفسها كـ "فاعل وطني معتدل" بعد عقود من الاستبعاد.