جيل زد ـ وتناقضات الواقع الاجتماعي!
د. محمد سيد أحمد
في مصر على وجه الخصوص، تتجلى هذه التناقضات بوضوح، فالشباب في الريف أو المناطق الشعبية والعشوائية يعانون من البطالة وغياب الخدمات وفرص المشاركة، بينما ينشأ شباب المناطق الراقية داخل فقاعة من العزلة والترف، منفصلين عن الواقع الوطني والاجتماعي، وكلا الطرفين -وإن حمل الهواتف نفسها واستخدم المنصات ذاتها- يعيش عالمًا مغايرًا تمامًا في الوعي والاهتمامات والقيم، كيف يمكن إذن الحديث عن جيل واحد يوحد هذه التناقضات؟
وراء هذا الخلط نزعة خطيرة، إلغاء الوعي الطبقي لصالح تصنيفات سطحية تسهل توجيه الجماهير وفق أجندات خارجية، فحين يختزل وعي الشباب في رموز عامة مثل الحرية والكرامة دون ربطها بالعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، يتحول الغضب إلى فوضى، وتفتح الأبواب أمام إعادة إنتاج نموذج الثورات الملونة التي أسقطت دولًا باسم الديمقراطية، لتقيم مكانها فوضى لا تنتهي.
إن ما يسمى جيل زد في منطقتنا ليس كتلة سياسية أو اجتماعية موحدة، بل فسيفساء من التناقضات، تتراوح بين الغضب الصادق واليأس، وبين الانعزال الرقمي والاستهلاك الثقافي السطحي، هذا الجيل، في جانب منه، ضحية انقطاع الأجيال، وانهيار منظومات التعليم والثقافة، وهيمنة الخوارزميات التي تصوغ له وعيه وتوجهه من الخارج.
لكن رغم ذلك، لا يمكن النظر إلى شباب اليوم كخصم، بل كطاقة كامنة يمكن توجيهها نحو البناء الوطني، فالمسألة ليست في الجيل بل في المشروع، المطلوب ليس محاكمة الشباب، بل نقد الخطاب الذي يتعامل معهم كمنتج غربي جاهز، وإعادة دمجهم في معركة النهضة والاستقلال والعدالة.
إن استيراد المفاهيم لا يصنع نهضة، بل يكرس التبعية الفكرية، والرد الحقيقي على جيل زد ليس رفضه، بل تحريره من هذا القيد، ليصبح جيلًا واعيًا بجذوره وانتمائه، قادرًا على تحويل الغضب إلى فعل وطني منظم، فالأمم لا تقاس بأعمار أبنائها، بل بقدرتها على تحويل الطاقة الشبابية إلى مشروع للحرية والسيادة، اللهم بلغت اللهم فاشهد.