فلسطين بين قرارات الأمم المتحدة وأسطورة أرض الميعاد!
د. محمد سيد أحمد
غير أن هذا السجل ظل حبرًا على ورق، يضرب به العدو الصهيوني عرض الحائط، في تحد سافر لإرادة المجتمع الدولي، وتواطؤ مكشوف من القوى الكبرى التي وفرت الحماية السياسية والعسكرية لهذا الكيان.
من هذا المنطلق، لا يمكن للإسرائيل أن تنفذ قرارات تعترف بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، لأن ذلك يهدم الأساس الأيديولوجي الذي قامت عليه.
وعندما يصف نتنياهو حربه بأنها حرب مقدسة، فإنه لا يخرج عن هذا السياق، بل يضع الصراع في إطاره العقائدي الوجودي، لا السياسي أو الحدودي.
إن الوعي العربي بهذه الحقيقة بات ضرورة تاريخية لا تحتمل التأجيل. فالصراع مع العدو الصهيوني ليس صراع حدود ترسم على خرائط، ولا نزاعًا على ترتيبات أمنية أو اقتصادية، بل هو صراع وجود.
وجود أمة في مواجهة مشروع استعماري استيطاني يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة معًا. وكل محاولة لتبسيط هذا الصراع أو اختزاله في مسارات تفاوضية معزولة عن سياقه التاريخي والحضاري، إنما تصب -عن قصد أو غير قصد- في خدمة المشروع الصهيوني.
ومن المنظور القومي العربي، الذي رأى في الوحدة العربية شرطًا للتحرر والتنمية والاستقلال، لا يمكن النظر إلى القضية الفلسطينية بمعزل عن الواقع العربي العام. فالتجزئة العربية، والتبعية الاقتصادية، والانقسام السياسي، هي البيئة المثلى التي يزدهر فيها المشروع الصهيوني.
وعلى العكس، فإن أي نهوض عربي حقيقي، قائم على التكامل والوحدة وتحرير الإرادة السياسية، من شأنه أن يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية العرب المركزية، لا قضية شعب معزول يترك لمصيره.
إن قرارات الأمم المتحدة، رغم أهميتها القانونية والأخلاقية، لن تتحول إلى واقع ملموس ما لم تسند بقوة سياسية عربية موحدة، وبوعي شعبي يدرك طبيعة الصراع وحقيقته. فالعدو الصهيوني لن ينفذ ما يتعارض مع مشروعه الوجودي، ما لم تفرض عليه كلفة تاريخية تفوق مكاسب العدوان.
وهذا الدرس، الذي علمنا إياه تاريخ الصراع، ينبغي أن يكون منطلقًا لإعادة بناء الاستراتيجية العربية على أسس الوحدة والمقاومة الشاملة، دفاعًا عن الأرض والإنسان والمستقبل، اللهم بلغت اللهم فاشهد.