المرسوم رقم 13 لعام 2026 وبناء دولة المواطنة في سورية التعددية
2026.01.18
مروان حبش
يشكّل المرسوم رقم /13/ لعام 2026، الصادر عن رئيس السلطة التنفيذية في سورية، خطوة إيجابية ومهمة على طريق إعادة بناء الدولة السورية على أسس المواطنة المتساوية. إذ ينصّ هذا المرسوم بوضوح على أن الكُرد مكوّن أصيل من مكوّنات الشعب السوري، ويعترف بحقوقهم الثقافية واللغوية، وبعيدهم الوطني، ويعالج واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، وهي مسألة تجنيس المجردين من الجنسية. ويكتسب هذا المرسوم أهميته ليس فقط من حيث مضمونه الحقوقي، بل أيضاً من حيث دلالته السياسية والأخلاقية في سياق الانتقال نحو دولة حديثة تتسع لجميع أبنائها.
إن الاعتراف بالتعددية الدينية والمذهبية والقومية في المجتمع السوري لا يتناقض مع وحدة الدولة، بل على العكس، يشكّل شرطاً أساسياً لتعزيزها وتحصينها. فالدولة القوية ليست تلك التي تنكر تنوّعها، بل تلك التي تديره ضمن إطار قانوني ودستوري عادل يضمن الحقوق المتساوية ويمنع الإقصاء والتهميش. ومن هذا المنطلق، فإن المرسوم 13 يمكن اعتباره لبنة أولى في مسار طويل يتطلب استكماله بإجراءات سياسية ودستورية أعمق.
وفي ظل غياب مجلس شعب منتخب انتخاباً حراً ونزيهاً يعبّر بصدق عن إرادة السوريين، فإن الجبهة المؤهلة للانتقال نحو عقد اجتماعي جديد تتمثل في عقد مؤتمر وطني جامع، تمثَّل فيه جميع مكوّنات الشعب السوري تمثيلاً صحيحاً وسليماً، بعيداً عن المحاصصة الضيقة أو الإقصاء. ويُفترض بهذا المؤتمر أن يكون إطاراً للحوار الوطني المسؤول، يهدف إلى الاتفاق على عقد اجتماعي جديد يؤسس لمبدأ المواطنة المتساوية، ويضع أسس دستور عصري يواكب متطلبات العصر وقيم الحداثة وما بعدها.
لقد قام جيل الشباب في سورية بانتفاضة الحرية والكرامة ضد الاستبداد والاستئثار والفساد، من أجل تأسيس دولة مواطنة تتوافق مع تطلعات المجتمع السوري الحديثة. دولة يكون فضاؤها الحرية، وحدّها المواطنة، فلا تمييز فيها على أساس إثني أو ديني أو مذهبي أو على أساس الجنس (ذكر أو أنثى). فمثل هذا التمييز يقوّض فكرة المواطنة من جذورها، وينسف مبادئ الديمقراطية من أساسها، ويعيد إنتاج أشكال جديدة من الظلم تحت عناوين مختلفة.
ومن الضروري هنا التنويه إلى أن الدولة السورية، منذ قيامها، لم تعرف في بنيتها الاجتماعية تمييزاً ممنهجاً أو اضطهاداً جماعياً على أساس الانتماء الإثني أو الديني بقدر ما مارست السلطة الاستبدادية الأمنية الفاسدة القمع ضد كل من عارضها، أفراداً وجماعات، بصرف النظر عن انتماءاتهم. وبالتالي، فإن جوهر المشكلة لم يكن في التنوّع السوري ذاته، بل في طبيعة النظام السياسي الذي صادر الحريات واحتكر السلطة والثروة.
تتأسس المواطنة الحديثة على ثلاثة مرتكزات رئيسية مترابطة: الفرد الحر، والدولة الديمقراطية الحديثة، والمجتمع المدني.
أولاً: الفرد الحر. تتحدد حرية الفرد في سياق انتقاله من انتماءاته التقليدية الضيقة، أي ما قبل المواطنة، إلى انتماء حديث يجعله فرداً قانونياً مستقلاً، متساوياً مع غيره أمام القانون. فالمواطنة لا تلغي الانتماءات الثقافية أو الدينية، لكنها تنزع عنها طابعها السياسي التمييزي، وتحوّل الفرد إلى وحدة أساسية في المجتمع والدولة.
ثانياً: الدولة الديمقراطية. في هذه الدولة، يتميّز الفرد–المواطن بوصفه كياناً حقوقياً قائماً بذاته، بغض النظر عن خلفياته العرقية أو الدينية أو الجندرية. فالعلاقة بين المواطن والدولة تقوم حصراً على أساس القانون والدستور، ولا تتوسطها أي رابطة دون وطنية، مهما كانت طبيعتها أو رمزيتها. الدولة الديمقراطية هي دولة المؤسسات، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص.
ثالثاً: المجتمع المدني. في فضاء المجتمع المدني يمارس المواطن حرياته الفردية والعامة، ويعبّر عن مصالحه وأفكاره ضمن المجال العام الذي تتيحه سيادة القانون. ويقوم بين الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني نوع من الانفصال النسبي، يسمح للدولة بتنظيم الصراعات الاجتماعية وتقنينها، وفي الوقت نفسه يمكّن المجتمع المدني من كبح جماح السلطة ومنع استبدادها أو استيعابها للمجتمع.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن المواطنة هي منظومة متكاملة من العلاقات السياسية والاجتماعية والقانونية، تحدد حقوق المواطنين وواجباتهم داخل مجتمع من أحرار متساوين، وفي دولة ديمقراطية تجسّد الكيان الدستوري لوطن محدد.
وفي دولة المواطنة، يصبح مفهوم الأكثرية والأقلية مفهوماً سياسياً لا إثنياً أو دينياً. فجميع الجماعات الإثنية، عرباً وغير عرب، وللجنسين، تتمتع بحقوق سياسية وثقافية واجتماعية متساوية، كما تتمتع الجماعات الدينية بكامل الحرية في ممارسة شعائرها وطقوسها، ويكون للجميع حق متساوٍ في الوصول إلى الثروة الوطنية من دون استثناء أو تمييز.
إن تشييد دولة المواطنة في سورية يقتضي اعتماد المواطنة بوصفها حدّاً وفضاءً جامعاً لكل السوريين، يقوم على المساواة في الحقوق، والتكامل في الواجبات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى المساواة الكاملة بين الجنسين في مختلف المجالات، بما فيها الأحوال الشخصية. كما يستلهم هذا المفهوم قيم ومبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة التي أقرّتها المنظومة الدولية، ويتجسّد في عقد اجتماعي جديد ودستور عصري حديث.
وفي النهاية، يشكّل الشعب السوري نسيجاً واحداً متكاملاً، على الرغم من تعدد أديانه ومذاهبه وإثنياته. وهذا التعدد ليس عبئاً، بل مصدر غنى وقوة وتطوّر. ومن واجب الدولة والمجتمع العمل معاً على صيانة هذا النسيج الوطني، وحمايته من التفكك، وبنائه على أسس العدالة والمواطنة والحرية، بما يفتح أفقاً جديداً لسورية المستقبل.